ابن عجيبة

384

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقيل : ( الآيات ) : مقام إبراهيم ، وأمن من دخله ، فعلى هذا يكون : ( ومن دخله ) ، عطفا على ( مقام ) ، وعلى الأول : استئنافا . و ( حج البيت ) مبتدأ ، و ( لله ) : خبر ، والفتح لغة الحجاز ، والكسر لغة نجد ، و ( من استطاع ) : بدل من ( الناس ) ، وقيل : فاعل . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ في الأرض لِلنَّاسِ للذي استقر بمكة ، وبعده بيت المقدس ، وبينهما أربعون سنة . بنت الأول الملائكة حيال البيت المعمور ، وأمر الله من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور ، ثم بنى الثاني . وقيل : بناهما آدم عليه السّلام ثم جدّد الأول إبراهيم . حال كونه مُبارَكاً ؛ لأنه يتضاعف فيه الحسنات ، بكل واحدة مائة ألف ، وتكفر فيه السيئات ، وتنزل فيه الرحمات ، وتتوارد فيه النفحات . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ واضحات ، منها : الحجر الذي هو مَقامُ إِبْراهِيمَ ، وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت ، فكان كلما طال البناء ارتفع به الحجر في الهواء ، حتى أكمل البناء ، وغرقت فيه قدمه كأنه طين ، ومنها : أن الطير لا تعلوه ، ومنها : إهلاك أهل الفيل وردّ الجبابرة عنه ، ونبع زمزم لهاجر بهمز جبريل عليه السّلام ، وحفر عبد المطلب لها بعد دثورها ، وأن ماءها ينفع لما شرب له ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً من العقاب في الدارين ؛ لدعاء الخليل : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ، فكان في الجاهلية كل من فعل جريمة ، ثم لجأ إليه لا يهاج « 1 » ولا يعاقب ما دام به ، وأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من الحدود ولا من القصاص . وقال أبو حنيفة : الحكم باق ، وإن من وجب عليه حد أو قصاص فدخل الحرم لا يهاج ، ، لكن يضيّق عليه ، فلا يطعم ولا يباع له حتى يخرج . قال - عليه الصلاة والسلام - : « من مات في أحد الحرمين بعثه اللّه من الآمنين » . وقال أيضا : « من حجّ هذا البيت - فلم يرفث ، ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ فرض عين على مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بالقدرة على الوصول بصحة البدن ، راجلا أو راكبا مع الزاد المبلّغ ، والأمن على النفس والمال والدين . وقيل : الاستطاعة : الزاد والراحلة . وَمَنْ تركه ، و كَفَرَ به ، كاليهود والنصارى ، وكل من جحده ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عنه ، و عَنِ حجه ، وعن جميع الْعالَمِينَ ، أو عبر بالكفر عن الترك ، تغليظا كقوله : « من ترك الصّلاة فقد كفر » روى أنه - عليه الصلاة والسلام - لما نزل صدر الآية - جمع أرباب الملل ، فخطبهم ، وقال : « إن الله كتب عليكم الحج فحجوا » ، فآمنت به ملة واحدة ، وكفرت به خمس ملل ، فنزل وَمَنْ كَفَرَ . . . إلخ .

--> ( 1 ) أي : لا يقاتل .