ابن عجيبة
378
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر جزاءهم ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 87 إلى 88 ] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) يقول الحق جل جلاله : أُولئِكَ المرتدون عن الإسلام - جَزاؤُهُمْ : أن تلعنهم الملائكة والناس أجمعون ، مؤمنهم وكافرهم ، لأن الكافر يلعن من ترك دين الحق ، وإن كان لا يشعر بمن هو على الحقّ . خالِدِينَ في اللعنة ، أو في النار ، لدلالة السياق عليها ، أو في العقوبة . لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ساعة ، ولا هم يمهلون عنها لحظة . ثم إنّ الحارث ندم ، وأرسل إلى قومه أن اسألوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، هل لي من توبة ؟ فنزل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 89 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) يقول الحق جل جلاله : إلا من تاب من بعد الردة ، فأسلم وأصلح ما أفسد ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له فيما فعل ، رَحِيمٌ به حيث تاب . ولمّا نزلت الآية حملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه ، فقال الحارث : إنك والله فيما علمت لصدوق ، وإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأصدق منك ، وإن الله - تعالى - لأصدق الثلاثة ، فرجع الحارث إلى المدينة ، فأسلم وحسن إسلامه . الإشارة : كل من ابتغى الخصوصية من غير أهلها ، أو ادعاها ولم يأخذها من معدنها ، فلن تقبل منه ، وهو عند القوم من الخاسرين في طريق الخصوص ، فكل من لا شيخ له في هذا الشأن فهو لقيط ، لا أب له ، دعىّ ، لا نسب له . والمراد بأهلها : العارفون بالله ، أهل الفناء والبقاء ، أهل الجذب والسلوك ، أهل السكر والصحو ، الذين شربوا الخمر فسكروا ثم صحوا وتكملوا ، فمعدن الخصوصية عند هؤلاء ، فكل من لم يصحبهم ولم يشرب من خمرتهم ، لا يقتدى به ، ولو بلغ من الكرامة ما بلغ ، وأخسر من هذا من صحب أهل هذه الخمرة ، وشهد بأن طريقهم حق ، ثم رجع عنها ، فهذا مغبون ملعون عند كافة الخلق ، أي : مطرود عن شهود الحق ، إلا من تاب ورجع إلى صحبتهم والأدب معهم ، فإن الله غفور رحيم . ثم ذكر الحق تعالى من ارتدّ وبقي على كفره ، حتى مات ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 90 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 )