ابن عجيبة
376
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
انقادوا طائعين ، وأهل الأرض منهم من انقاد طوعا بالنظر واتباع الحجة أو بغيرها ، ومنهم من انقاد كرها أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام ؛ كنتق الجبل وإدراك الغرق والإشراف على الموت ، أو : « طوعا » كالملائكة والمؤمنين ، فإنهم انقادوا لما يراد منهم طوعا ، ( وكرها ) كالكفار فانقادوا لما يراد منهم كرها ، وكلّ إليه راجعون ، لا يخرج عن دائرة حكمه ، أو راجعون إليه بالبعث والنشور . والله تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن الدين الحقيقي هو الانقياد إلى الله في الظاهر والباطن ، أما الانقياد إلى الله في الظاهر فيكون بامتثال أمره واجتناب نهيه ، وأما الانقياد إلى الله في الباطن فيكون بالرضى بحكمه والاستسلام لقهره . فكل من قصّر في الانقياد في الظاهر ، أو تسخط من الأحكام الجلالية في الباطن ، فقد خرج عن كمال الدين ، فيقال له : أفغير دين الله تبغون وقد انقاد له ( من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) ، فإما أن تنقاد طوعا أو ترجع إليه كرها . وفي بعض الآثار يقول الله تبارك وتعالى : « من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ، فليخرج من تحت سمائي ، وليتخذ ربّا سواي » . وسبب تبرّم القلب عن نزول الأحكام القهرية مرضه وضعف نور يقينه ، فكل من استنكف عن صحبة الطبيب ، فله من هذا العتاب حظ ونصيب ، فالأولياء حجة الله على العلماء ، والعلماء حجة الله على العوام ، فمن لم يستقم ظاهره عوتب على تفريطه في صحبة العلماء ، ومن لم يستقم باطنه عاتبه الله تعالى على ترك صحبة الأولياء ، أعنى العارفين . وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم بيّن الحق - تعالى - حقيقة الإيمان والإسلام الذي يجب اتباعه على جميع الأنام ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 84 ] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) قلت : ( أنزل ) : يتعدى بإلى ؛ لأنه ينتهى إلى الرسل ، ويتعدى بعلى ، لأنه يأتي من ناحية العلو والاستعلاء ، وفرّق بعضهم بين التعبير هنا بعلى وفي البقرة بإلى ، فقال : لأن الخطاب هنا للرسول بالخصوص ، وقد أنزل عليه الوحي مباشرة ، وهناك الخطاب للمسلمين ، وإنما أنزل الوحي متوجها إليهم بالواسطة ، ولم يكن عليهم بالمباشرة . والله تعالى أعلم .