ابن عجيبة
372
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقال الكلبي : إن ناسا من علماء اليهود كانوا ذا حظ من علم التوراة ، فأصابتهم سنة ، فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه ، أي : يطلبون منه الميرة - وهو الطعام - ، فقال لهم كعب : هل تعلمون أن هذا الرجل رسول في كتابكم ؟ قالوا : نعم ، أو ما تعلمه أنت ؟ قال : لا ، قالوا : فإنا نشهد أنه عبد اللّه ورسوله ، قال كعب : لقد قدمتم علىّ ، وأنا أريد أن أميركم وأكسوكم ، فحرمكم اللّه خيرا كثيرا ، قالوا : فإنه شبه لنا ، فرويدا حتى نلقاه ، فانطلقوا ، فكتبوا صفة غير صفته ، ثم أتوا نبي اللّه - عليه الصلاة والسلام - فكلموه ، ثم رجعوا إلى كعب ، فقالوا : قد كنا نرى أنه رسول اللّه ، فأتيناه فإذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا ، وأخرجوا الذي كتبوه ، ففرح كعب ، ومارهم . فنزلت الآية . قلت : انظر الطمع ، وما يصنع بصاحبه ! والعياذ باللّه . وقيل : نزلت في رجل أقام سلعته في السوق ، وحلف لقد أعطى فيها كذا وكذا ، وقيل : نزلت في الأشعث بن قيس ، كانت بينه وبين رجل خصومة ، فتوجهت اليمين على الرجل ، فأراد أن يحلف . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد أخذ اللّه العهد على الأرواح ألا يعبدوا معه غيره ، ولا يميلوا إلى شئ سواه ، فكل من مال إلى شئ أو ركن بالمحبة إلى غير اللّه ، فقد نقض العهد مع اللّه ، فلا نصيب له في مقام المعرفة ، ولا تحصل له مشاهدة ولا مكالمة حتى يثوب ويتوجه بكليته إلى مولاه . واللّه - تعالى - أعلم . ومن مساوئهم أيضا : تحريفهم لكتاب اللّه ، كما أشار إلى ذلك الحق - تعالى - بقوله : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 78 ] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 78 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِنَّ من أهل الكتاب لَفَرِيقاً ، وهو كعب بن الأشرف ، وحيى بن أخطب ، ومالك بن الصيف ، وأبو ياسر ، وشعبة بن عامر ، يَلْوُونَ أي : يفتلون أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ أي : التوراة عند قراءته ، فيميلون عن المنزل إلى المحرف ، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ أي : لتظنوا أن ذلك المحرف من التوراة ، وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فيما نسبوا إليه ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنه ليس من عند اللّه . قال ابن عباس : نزلت في اليهود والنصارى جميعا ، حرفوا التوراة والإنجيل ، وألحقوا به ما ليس منه ، وأسقطوا منه الدين الحنيف ، فبيّن اللّه كذبهم . وقيل : في الرجم ، حيث كتموا الرجم ، وألقى قارئ التوراة يده على آية الرجم ، وقرأ ما حولها ، فقال له ابن سلام : ارفع يديك ، فإذا آية الرجم تلوح . واللّه أعلم .