ابن عجيبة

364

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ووضع المظهر موضع الضمير ، ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين ، بل يؤدى إلى فساد العالم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للمريد ، الذي تحقق بخصوصية شيخه ، أن يلاعن من يخاصمه فيه ، ويبعد عنه كل البعد ، ولا يهين له لئلا يركبه ، ويدفع عن شيخه ما استطاع ، فإنّ هذا من التعظيم الذي هو سبب في سعادة المريد ، ولا يصغى إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين . قلت : وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس ، فقال لي : قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم ، فقلت له : لو اتفق أهل السماوات السبع والأرضين السبع ، على أنه من أهل البدعة ، لقلت أنا : إنه من أهل السنة ، لأنى تحققت بخصوصيته ، كالشمس في أفق السماء ، ليس دونها سحاب . فاللّه يرزقنا حسن الأدب معهم والتعظيم إلى يوم الدين . آمين . فمن أعرض عن أولياء اللّه من المنكرين ؛ ( فإن اللّه عليم بالمفسدين ) . ثم دعاهم إلى التوحيد الذي اتفقت عليه سائر الأديان ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 64 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 ) قلت : ( سواء ) : مصدر ، نعت للكلمة ، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث ، فإذا فتحت السين مددت ، وإذا ضمت أو كسرت قصرت ، كقوله : مَكاناً سُوىً أي : مستو . وسواء كل شئ : وسطه ، قال تعالى : فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ، أي : وسطه . يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد : يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى ، تَعالَوْا : هلموا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ أي : عدل مستوية ، بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ؛ لا يختلف فيها الرسل والكتب والأمم ، هي أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ أي : نوحده بالعبادة ، ونقر له بالوحدانية ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً أي : لا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : لا نقول عزير ابن اللّه ، ولا المسيح ابن اللّه ، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل ، لأنهم بشر مثلنا . ولمّا نزل قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ . . . قال عدى بن حاتم : ما كنّا نعبدهم يا رسول اللّه ، قال : « أليس كانوا يحلّون لكم ويحرّمون ، فتأخذون بقولهم ؟ قال : بلى ، قال : هو ذاك »