ابن عجيبة
362
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الدجال ، وتقع في الأرض الأمنة ، حتى ترتع الأسد مع الإبل ، والنمر مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، ويلعب الغلمان بالحيات ، ويلبث في الأرض أربعين سنة ، ثم يتزوج ويولد له ثم يتوفى ، ويصلى المسلمون عليه » . ويدفنونه في حجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . الإشارة : اعلم أن الحق - جل جلاله - أظهر هذا الآدمي في شكل غريب ، وسر عجيب ، جمع فيه بين الضدين ، وأودع فيه سر الكونين ، نوراني ظلمانى ، روحاني جسماني ، سماوي أرضى ، ملكوتي ملكي ، معنوي حسى ، أودع فيه الروح نورانية لاهوتية في نطفة ناسوتية ، فوقع التنازع بين الضدين ، فالروح تحن إلى وطنها اللاهوتي ، والنطفة الطينية تحن إلى وطنها الناسوتي ، فمن غلبت روحانية على طينته التحق بالروحانيين ، وكان من المقربين في أعلى عليين ، فصارت همته منصرفة إلى طاعة مولاه ، والارتقاء إلى مشاهدة نوره وسناه ، فانيا عن حظوظه وهواه ، ومن غلبت طينته على روحانيته التحق بالبهائم أو الشياطين ، وانحط إلى أسفل سافلين ، وكانت همته منصرفة إلى حظوظه وهواه ، غائبا عن ذكر مولاه ، قد اتخذ إلهه هواه . وتأمل قضية السيد عيسى عليه السّلام لمّا لم ينشأ من نطفة أمشاجية ، كيف غلبت روحانيته ، حيث لم تجد ما يجذبها إلى الحضيض الطيني ، فلم يلتفت إلى هذا العالم الظلماني أصلا ، وكذلك الأنبياء حيث طهروا من بقاياها في الأصالة ، والأولياء حيث طهروها بالمجاهدة ، كيف صارت أرواحهم لاتشتاق إلا إلى الأذكار والعلوم والأسرار ، فانية في محبة الواحد القهار ، حتى لحقت بوطنها ، ورجعت إلى أصلها ، محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة والمساررة ، هذا هو الحق من ربك فلا تكن من الممترين في إدراك الروح هذا المقام ، إن لم يغلب عليها عالم الصلصال . واللّه - تعالى - أعلم . ولما قامت الحجة على النصارى ، وتبيّن عنادهم ، دعاهم إلى المباهلة ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 61 إلى 63 ] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 62 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 ) قلت : أصل ( تعالوا ) : تعاليوا ، على وزن تفاعلوا ، من العلو ، فقلبت الياء ألفا ؛ لتحركها ، ثم حذفت ، ومن قرأ بالضم نقل ، وأصل معناها : ارتفع ، ثم أطلق على الأمر بالمجيء . والابتهال : التضرع والمبالغة في الدعاء . يقول الحق جل جلاله : فَمَنْ خاصمك يا محمد في شأن عيسى عليه السّلام ، وكان الذي خاصم في ذلك السيد والعاقب ، لما قدموا مع انصارى نجران على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قال لهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أسلما » ، قالا : قد أسلمنا قبلك ، قال : « كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما عيسى للّه ولدا ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير » ، قالا : إن