ابن عجيبة
360
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال تعالى : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، وقوله : ( ذلك ) مبتدأ ، و ( نتلوه ) : خبر ، و ( من الآيات ) : حال ، أو ( من الآيات ) : خبر ، و ( نتلوه ) : حال ، أو خبر بعد خبر . يقول الحق جل جلاله : اذكر إِذْ قالَ اللَّهُ لعيسى عليه السّلام لما أراد رفعه : يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ، أي : قابضك إلى ببدنك تاما ، وَرافِعُكَ إِلَيَّ أي : إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : من مخالطة دنس كفرهم ، وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ؛ ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين ، وقال قتادة والشعبي والربيع : هم أهل الإسلام . ه . فو اللّه ما اتبعه من ادعاه ربا ، فمن تبع دينه حقا جعل فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا به من اليهود إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ؛ يغلبونهم بالحجة والسيف . وقد حقق اللّه فيهم هذا الأمر ، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط ، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا « 1 » . ثم قال تعالى : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ بالبعث ، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وأمر عيسى . فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي : فأجمع لهم عذابا الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي . وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ في الدارين بالنصر والعز في الدنيا ، وبالرضا والرضوان في الآخرة ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ؛ لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه . ذلِكَ الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما ، نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ أي : العلامات الدالة على صدقك ، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب ، بل هي من الذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، وهو القرآن المبين . الإشارة : كل من طهر سره من الأكدار ، وقدس روحه من دنس الأغيار ، ورفع همته عن هذه الدار ، عرج اللّه بروحه إلى سماء الملكوت ، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت ، وبقي ذكره حيا لا يموت ، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم ، وفي محل الرفعة والتكريم ، قال - عليه الصلاة والسلام - : « هاجروا تكسبوا العز لأولادكم » ، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات ، والركون إلى العوائد والمألوفات ، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس ، وتمكن من العز الذي لا يفنى ، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه ؛ إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، ( وهو خير الوارثين ) . هذه سنة اللّه في خلقه ، لأنهم نصروا دين اللّه ورفعوا كلمة اللّه ، فنصرهم اللّه ، ورفعهم اللّه ، قال تعالى : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ، وقال تعالى : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا . وفي الحكم : « إن أردت إن يكون لك عز لا يفنى ، فلا تستعزن بعز يفنى » . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) أي : إلى زمن المؤلف ، أما في زمننا ، فقد أنشئوا لهم دولة ، في قلب عالمنا الإسلامي ، في فلسطين العربية ، بمعاونة الدول الظالمة . اللهم أزل دولتهم وفرق شملهم . . . آمين .