ابن عجيبة

347

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم قالت حنة أم مريم : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ أي : أحصنها بك وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أي : المرجوم بالشهب ، أو المطرود ، وفي الحديث : « ما من مولود يولد إلّا والشّيطان يمسّه حين يولد فيستهلّ من مسّه ، إلّا مريم وابنها » . ومعناه : أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود ، بحيث يتأثر به ، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة ، قلت : وكذا الأنبياء كلهم ، لا يمسهم لمكان العصمة . واللّه أعلم . فَتَقَبَّلَها رَبُّها أي : رضيها في النذر مكان الذكر ، بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي : بوجه حسن ، وهو إقامتها مقام الذكر ، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسّدانة « 1 » ، روى : أن حنة لما ولدتها لفّتها في خرقة ، وحملتها إلى المسجد ، ووضعتها عند الأحبار ، وقالت : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها ، لأنها كانت ابنة إمامهم ، وصاحب قربانهم ، فإن ( بنى ماثان ) كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم ، فقال زكريا : أنا أحق بها ، عندي خالتها ، فأبوا إلا القرعة ، وكانوا سبعة وعشرين ، فانطلقوا إلى نهر ، فألقوا فيه أقلامهم ، فطفا قلم زكريا - أي : علا - على وجه الماء ، ورسبت أقلامهم ، فأخذها زكريا . وَأَنْبَتَها اللّه نَباتاً حَسَناً أي : رباها تربية حسنة ، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام ، وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أي : ضمها إليه وقام بأمرها . وقرأ عاصم - في رواية ابن عياش - بشدّ الفاء ، أي : وكفّلها اللّه زكريا ، أي : جعله كافلا لها وحاضنا . روى : أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتا ، واسترضع لها ، فلما بلغت ، بنى لها محرابا في المسجد ، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم ، ولا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم ، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب . كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ ؛ ليأتيها بطعامها ، وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً أي : فاكهة في غير حينها ، يجد فاكهة الشتاء في الصيف ، وبالعكس ، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا أي : من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه ، والأبواب مغلقة عليك ؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا يستبعد ، قيل : تكلمت صغيرة ، وقيل : لم ترضع ثديا قط ، خلاف ما تقدم ، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة . ثم قالت : إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي : بغير تقدير ، أو بغير استحقاق تفضلا منه ، وقوله : ( كلما ) : يقتضى التكرار ، وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يذر تعهّدها ، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها ، بل كان يتفقد حالها كل وقت ، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعا ، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائما وألا يظهر ، فما كان زكريا معتمدا على ذلك ، فيترك تفقد حالها ، ثم كان يجدد السؤال بقوله : يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس ، فإنه لا واجب على اللّه - سبحانه - . قاله القشيري .

--> ( 1 ) السدانة : مصدر بمعنى الخدمة ، والسادن : الخادم .