ابن عجيبة

342

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله ، لقوم من الأنصار ، كانوا يوالون اليهود ؛ لقرابة أو صداقة تقدمت في الجاهلية : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ، أي : أصدقاء ، إذ الحب إنما يكون في اللّه والبغض في اللّه ، أو لا تستعينوا بهم في غزو ولا غيره ، فلا تودوهم مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ إذ هم أحق بالمودة ، ففيهم مندوحة عن موالاة الكفرة ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الاتخاذ فَلَيْسَ مِنَ ولاية اللَّهِ فِي شَيْءٍ ؛ إذ لا تجتمع ولاية اللّه مع ولاية عدوه . قال الشاعر : تودّ عدوّى ثمّ تزعم أنّنى * صديقك ، ليس النّوك عنك بعازب والنّوك - بضم النون - : الحمق . فلا توالوا الكفار إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي : إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه ، فلا بأس بمداراتهم ظاهرا ، والبعد منهم باطنا ، كما قال عيسى عليه السّلام : ( كن وسطا وامش جانبا ) . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : خالطوا الناس وزايلوهم ، وصافحوهم بما يشتهون ، ودينكم لا تثلموه . وقال جعفر الصادق : إني لأسمع الرجل يشتمني في المسجد ، فأستتر منه بالسارية لئلا يراني . ه . وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي : يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ومخالفة أمره وارتكاب نهيه ، تقول العرب : احذر فلانا : أي : ضرره لا ذاته ، وفي ذكر النفس زيادة تهديد يؤذن بعقاب يصدر منه بلا واسطة ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ؛ فيحشر كل قوم مع من أحب . قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ من موالاة أعدائه ، أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ؛ فلا يخفى عليه ما تكن الصدور من خير أو شر . وقدّم في سورة البقرة الإبداء ، وأخره هنا ؛ لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم ، فإن الأشياء التي تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها في قلبه ثم تبرز ، فقد تعلق علم اللّه تعالى بها قبل أن تبرز ، فلذلك قدّم هنا الإخفاء لتقدم وجوده في الصدر ، وأخره في البقرة ، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها ، وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فلا يخفى عليه شئ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا ، والآية بيان لقوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ؛ لأن الذات العالية متصفة بعلم محيط بجميع المعلومات ، وبقدرة تحيط بجميع المقدورات ، فلا تجسروا على عصيانه ، فإنه ما من معصية إلا وهو مطلع عليها ، قادر على العقاب عليها يوم القيامة . يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً بين يديها تنتفع به ، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ، كما بين المشرق والمغرب ، ولا ينفع الندم وقد زلّت القدم . وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ، كرره للتأكيد وزيادة التحذير ، وسيأتي في الإشارة حكمة تكريره ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ حيث حذرهم مما يضرهم ، وأمرهم بما يقربهم ، فكل ما يصدر منه - سبحانه - في غاية الكمال .