ابن عجيبة
339
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والنصر على الأعداء في كل أين ، وأنزع الملك من يد عدونا ، وانقله إلينا وإلى من تبعنا إلى يوم الدين . قال قتادة : ( ذكر لنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ) . وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بالإيمان والطاعة وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بالكفر والمعصية ، أو تعز من تشاء بالمعرفة ، وتذل من تشاء بالفكرة ، أو تعز من تشاء بالقناعة والورع ، وتذل من تشاء بالحرص والطمع ، أو تعز من تشاء بالتوفيق والإذعان ، وتذل من تشاء بالكسل والخذلان ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ كله ، فأعطنا من خيرك الجزيل ، وأجرنا من الشر الوبيل ، فالأمور كلها بيدك . قال البيضاوي : ذكر الخير وحده ؛ لأنه المقضى بالذات ، والشر مقتضى بالعرض ؛ إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا . أو لمراعاة الأدب في الخطاب ، أو لأن الكلام وقع فيه ، إذ روى أنه عليه الصلاة والسلام - لمّا خطّ الخندق ، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا ، وأخذوا يحفرون ، فظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول ، فوجّهوا سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخبره ، فجاء عليه الصلاة والسلام ، فأخذ المعول منه ، فضرب به ضربة صدعها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها « 1 » ، لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبر ، وكبّر معه المسلمون ، وقال : أضاءت لي منها قصور الحيرة ، كأنها أنياب الكلاب ، ثم ضرب الثانية ، فقال : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم ، ثم ضرب الثالثة ، فقال : أضاءت لي منها قصور صنعاء ، وأخبرني جبريل أنّ أمّتى ظاهرة على كلّها ، فأبشروا ، فقال المنافقون : ألا تعجبون ! يمنيكم ويعدكم الباطل ، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ، وأنّها تفتح لكم ، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق « 2 » فنزلت ، أي : الآية . ونبه على أن الشر أيضا بيده بقوله : إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ه . ثم استدل على نفوذ قدرته بقوله : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي : تدخل أحدهما في الآخر بالتعقيب ، أو بالزيادة أو النقص ، فيولج الليل في النهار ، إذا طال النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة ، وفي الليل تسع ، ويولج النهار في الليل ، إذا طال الليل كذلك ، وفيه دلالة على أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة العز بالذل ، والملك بنزعه . وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ؛ كالحيوانات من النّطف ، وبالعكس ، والنباتات من الحبوب ، وبالعكس ، أو المؤمن من الكافر والعالم من الجاهل ، وبالعكس ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ من الأقوات والعلوم والأسرار ، بِغَيْرِ حِسابٍ ، ولا تقدير ولا حصر . اللهم ارزقنا من ذلك الحظ الأوفر ، ( إنك على كل شئ قدير ) .
--> ( 1 ) اللابة : الحرة ، وهي الحجارة السوداء ، ولابتيها : حرتان تكتنفان المدينة . ( 2 ) الفرق - بفتحتين - : الخوف .