ابن عجيبة

333

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( قائما ) : حال من ( اللّه ) ، وإنما جاز من بعض المعطوفات لعدم اللبس ، كقوله : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً . . . ، ولا يجوز : جاء زيد وعمرو راكبا ؛ لعدم القرينة ، أو من ( هو ) ، والعامل الجملة ؛ لأنه حال مؤكدة ، أي : تفرد قائما ، أو حقه قائما ، ( بالقسط ) أي : العدل ، و ( إن الدين ) : جملة مستأنفة مؤكدة للأولى ، أي : لا دين مرضى عند اللّه سوى الإقرار بالشهادة والدخول فيما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ومن قرأ بالفتح فهو بدل من ( أنه ) ، بدل الكل ، إن فسر الإسلام بالإيمان ، وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة . يقول الحق جل جلاله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي : بيّن وحدانيته بنصب الدلائل الدالة عليها ، وإنزال الآيات الناطقة بها ، أو بتدبيره العجيب وصنعته المتقنة وأموره المحكمة ، وفي ذلك يقول القائل : يا عجبا كيف يعصى الإله * أم كيف يجحده الجاحد ؟ ! وللّه في كل تحريكة * وتسكينة أبدا شاهد وفي كلّ شئ له آية * تدلّ على أنّه واحد « 1 » وقيل لبعض العرب : ما الدليل على أن للعالم صانعا ؟ فقال : البعرة تدل على البعير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلى بهذه الكثافة ، أما يدلان على الصانع الخبير ؟ ! وَ شهدت الْمَلائِكَةُ أيضا بالإقرار بالوحدانية والإخبار بها ، وَأُولُوا الْعِلْمِ وهم : الأنبياء والعلماء باللّه ، بالإيمان بها والاحتجاج عليها ، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد . وفيه دليل شرف أهل العلم وفضلهم ، حيث قرن شهادتهم بشهادته ؛ لأن العلم صفة اللّه العليا ونعمته العظمى ، والعلماء أعلام الإسلام ، والسابقون إلى دار السلام ، وسرج الأمكنة وحجج الأزمنة . وعن جابر قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ساعة من عالم يتّكىء على فراشه ، ينظر في علمه ، خير من عبادة العابد سبعين عاما » . وعن معاذ قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، ومدارسته تسبيح ، والبحث فيه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وتذكّره في أهله قربة » . ثم قال في آخر الحديث في فضل أهل العلم : « وترغب الملائكة في خلّتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وفي صلاتها تستغفر لهم ، وكلّ رطب ويابس يستغفر لهم . حتى حيتان البحر وهوامّه ، وسباع الأرضين وأنعامها ، والسماء ونجومها ، ألا وإن العلم حياة القلوب من العمى ، ونور الأبصار من الظلم ، وقوة الأبدان من الضعف ، يبلغ بالعبد منزل الأحرار ومجالسة الملوك ، والفكر فيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، وبه يعرف الحلال والحرام ، وبه توصل الأرحام ، العلم إمام والعمل تابعه ، يلهمه السعداء ، ويحرمه الأشقياء » .

--> ( 1 ) الأبيات لأبى العتاهية ، انظر ديوانه 122 . وذكرها الأصبهاني في محاضرات الأدباء 3 / 398 منسوبة للبيد .