ابن عجيبة
328
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
المسلمون ، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر ، والمشركون كانوا زهاء ألف ، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم المؤمنون ، وَأُخْرى كافِرَةٌ ، وهم المشركون ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ أي : ترون ، يا معشر اليهود ، الكفار مثلي عدد المسلمين رأى تحقيق ، ومع ذلك أيدهم اللّه بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم ، وكذلك يفعل بهم معكم . والرؤية ، على هذا ، علمية . ومن قرأ ( بالياء ) يكون الضمير راجعا للكفار ، أي : يرى الكفار المسلمين مثليهم ، وذلك بعد أن قللهم اللّه في أعينهم حتى اجترءوا عليهم ، وتوجهوا إليهم ، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا ، مددا من اللّه للمؤمنين . أو : يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ، ليثبتوا لهم ، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم اللّه بقوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ . . . الآية . وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ أي : يقوى بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ نصره ، كما أيد أهل بدر ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ المفتوحة . وذلك حين نصر اللّه قوما لا عدد لهم ولا عدة ، على قوم لهم عدد وعدة ، فلم تغن عنهم من اللّه شيئا . الإشارة : إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان ، أحدهما : جند الأنوار ، وهو جند القلب ، والثاني : جند الأغيار ، وهو جند النفس ، فيلتحم بينهما القتال ، فجند الأنوار يريد أن يرتقى بالروح إلى وطنها ؛ وهو حضرة الأسرار ، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات ، فيحبسها في سجن الأكوان ، فإذا أراد اللّه تعالى سعادة عبد ، قوى له جند الأنوار ، وضعّف عنه جند الأغيار ، فينهزم عنه جند الأغيار ، ويستولى على قلبه جند الأنوار ، فلا تزال الأنوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار المواجهة ، فيدخل حضرة الأسرار ، وهي حضرة الشهود ، ويتحصن في جوار الملك الودود ، وتناديه ألسنة الهواتف : أيها العارف ، قل للذين كفروا ، وهم جند الأغيار : ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . وإذا أراد اللّه خذلان عبده ، بعدله ، قطع عنه مدد الأنوار ، وقوى لديه جند الأغيار ، فتستولى ظلمة النفس على نور القلب ، فتحبسه في سجن الأكوان ، وتسجنه في ظلمة هيكل الإنسان ، ( واللّه يؤيد بنصره من يشاء ) . ففي التقاء جندي الأنوار والأغيار عبرة لأولى الأبصار . ثم بيّن الحق تعالى مدد جند الأغيار ، والذي منع الأبصار من الاعتبار ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 14 ] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 )