ابن عجيبة
321
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
سورة آل عمران مدنية . وآياتها : مائتان ، وقيل : مائة وسبع وثمانون . وكلماتها : ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانون كلمة ، ومناسبتها لما قبلها : قوله تعالى في أولها : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ . . . إلخ ، فكأنه تتميم لقوله ، فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ، وتفسير له . ومضمنها : توجيه العتاب لثلاث طوائف : للنصارى ؛ لغلوهم في عيسى عليه السّلام ، ولامتناعهم من الدخول في الإسلام ، وبسببهم نزلت السورة ، أعنى نصارى نجران ، ولليهود ؛ لتفريطهم في اتباع النبي - عليه الصلاة والسلام - وللمسلمين ؛ لما وقع لهم من الفشل يوم أحد ، ولذلك افتتح السورة بذكر الكتب الثلاثة ، إذ لو قاموا بحقوقها ما توجه لهم عتاب ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم ( 1 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( 2 ) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 3 ) قلت : فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب ؛ لفقدان موجبه ومقتضيه ، فيوقف عليها بالسكون ، كقولهم : واحد ، اثنان . وإنما فتح الميم هنا في القراءة المشهورة ؛ لإلقاء حركة الهمزة عليها . انظر البيضاوي . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : ( الألف آلاؤه ، واللام لطفه ، والميم ملكه ) . قلت : ولعلّ كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجّه العتاب إليهم ، فالآلاء لمن أسلم من النصارى ، واللطف لمن أسلم من اليهود ، والملك لمن أسلم من الصحابة - رضوان اللّه عليهم - ، فقد ملكهم اللّه مشارق الأرض ومغاربها . واللّه تعالى أعلم . يقول الحق جل جلاله : أيها الملك المعظّم ، والرسول المفخم ، بلّغ قومك أن اللّه واحد في ملكه ، ليس معه إله ، ولا يحب أن يعبد معه سواه ؛ إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحي القيوم ، الذي تعجز عن إدراكه العقول ومدارك الفهوم ، قائم بأمر عباده ، متصرف فيهم ، على وفق مراده ، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين ، وأنزل عليهم الكتب بيانا للمسترشدين ، فنزّل عَلَيْكَ الْكِتابَ منجّما في عشرين سنة ، متلبسا بِالْحَقِّ ، حتى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، أو متلبسا بالحجج التي تدفع كل باطل ، أو بالعدل حتى ينتفى به جور كل مائل ، مُصَدِّقاً لما تقدم قبله من الكتب الإلهية ؛ إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار ، فكان شاهدا عليها بالصحة والإبرار .