ابن عجيبة
300
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : الإعصار : عمود من ريح فيه عجاجة ، يدور ويرتفع . يقول الحق جل جلاله : أيتمنى أحدكم أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ أي : بستان مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ، هما الغالبان فيه ؛ لكثرة منافعهما ، تَجْرِي مِنْ تحت تلك الأشجار الْأَنْهارُ ؛ إذ من كمال البستان أن يشتمل على الماء البارد والظل الممدود ، و لَهُ فِيها أي : في تلك الجنة مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ زائدة على النخيل والأعناب ، ثم أَصابَهُ الْكِبَرُ فضعف عن القيام بتلك الجنة ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ لا يستطيعون القيام بأنفسهم لصغرهم ، فأصاب تلك الجنة إِعْصارٌ أي : ريح شديد فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ تلك الجنة ، فلا تسأل عن حسرة صاحب هذا البستان ، لخوفه من ضياع نفسه وعياله . وهذا مثال لمن يكثر من أعمال البر ، كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد وغير ذلك ، ثم يعجب به ، ويفتخر ويمنّ بصدقته أو يؤذى ، فتحبط تلك الأعمال وتذهب ، فيتحسر عليها يوم القيامة ، وهو أحوج ما يكون إليها . أو يعمل بالطاعة في أيام عمره ، فإذا قرب الموت عمل بالمعاصي حتى ختم له بها فحبطت تلك الأعمال ، والعياذ باللّه كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فيها فتعتبرون ، وتخلصون في أعمالكم ، وتخافون من سوء عاقبتكم . أعاذنا اللّه من ذلك . الإشارة : في الآية تخويف للمريد أن يرجع إلى عوائده ، ويلتفت إلى عوالم حسه ، فيشتغل بالدنيا بعد أن استشرف على جنة المعارف ، تجرى على قلبه أنهار العلوم ، فينقض العهد مع شيخه ، أو يسيىء الأدب معه ، ولم يتب حتى تيبس أشجار معارفه ، وتلعب به ريح الهوى ، فيحترق قلبه بنار الشهوات . قال البيضاوي : وأشبههم به من جال سره في عالم الملكوت ، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت ، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور ، والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا . ه . ثم رغّب الحق تعالى في الصدقة من الكسب الطيب ، فرضا ونفلا ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 267 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) قلت : ( تيمموا ) : أصله : تتيمموا ، أي تقصدوا ، وجملة ( تنفقون ) : حال مقدرة - من فاعل ( تيمموا ) ، و ( منه ) : يصح أن يتعلق ب - ( تنفقون ) أو ب - ( الخبيث ) ، أي : ولا تقصدوا الخبيث حال كونكم تنفقونه ، أو لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه ، و ( لستم بآخذيه ) : حال أيضا من فاعل ( تنفقون ) .