ابن عجيبة
298
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا أجر صدقتكم بِالْمَنِّ بها على المتصدّق عليه ، وَالْأَذى الذي يصدر منكم له ، بأن تذكروا ذلك للناس ، فتكون صدقتكم باطلة ، كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فإن أجره يوم القيامة يكون هباء منثورا ، فَمَثَلُهُ في انتفاعه بصدقته ، وتستره بها في دار الدنيا ، وافتضاحه يوم القيامة ، كحجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ يستره ، فيظن الرائي أنه أرض طيبة تصلح للزراعة ، فَأَصابَهُ وابِلٌ أي : مطر غرير فَتَرَكَهُ صَلْداً حجرا يابسا خاليا من التراب ، كذلك المراءون بأعمالهم ، ينتفعون بها في الدنيا بثناء الناس عليهم وستر حالهم ، فإذا قدموا يوم القيامة وجدوها باطلة ، لا يَقْدِرُونَ عَلى الانتفاع ب شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى مراشدهم ومصالح دينهم . وفيه تعريض بأن الرياء والمن والأذى من صفة الكافر ، ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها . وباللّه التوفيق . الإشارة : تصفية الأعمال على قدر تصفية القلوب ، وتصفية القلوب على قدر مراقبة علام الغيوب ، والمراقبة على قدر المعرفة . والمعرفة على قدر المشاهدة . والمشاهدة تحصل على قدر المجاهدة ، وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا . وفي الحكم : « حسن الأعمال من نتائج حسن الأحوال . وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال » والحاصل أن من لم يتحقق بمقام الفناء لا تخلو أعماله من شوب الخلل ، ومن تحقق بالزوال لم ير لنفسه نسبة في عطاء ولا منع ، ولا حركة ولا سكون ، ولم ير لغيره وجودا حتى يرجو منه نفعا ولا خيرا . وفي بعض الإشارات : يا من يرائى أمر من من ترائى بيد من تعصيه . ه . وفي تمثيله بالحجر إشارة إلى قساوة قلبه ويبوسة طبعه ، فلا يرجى منه خير قط . والعياذ باللّه . ثم ذكر الحق تعالى ضد هؤلاء ، وهم المخلصون ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 265 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) قلت : الربوة - مثلثة الراء - : المكان المرتفع ، والوابل : المطر الغزير ، والطل : المطر الخفيف ، وفي ذلك يقول الراجز : والطلّ ما خفّ من الأمطار * والوابل الغزير ذو انهمار