ابن عجيبة

283

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : كما فضّل اللّه الرسل بعضهم على بعض ، كذلك فضل الأولياء بعضهم على بعض ، وإنما يقع التفضيل بكمال اليقين ، والتغلغل في علم التوحيد الخاص ، ذوقا وكشفا ، والترقي في المعارف والأسرار . وذلك بخدمة الرجال وصحبة أهل الكمال ، والتفرغ التام ، والزهد الكامل في النفس والفلس والجنس ، فمنهم من تحصل له المشاهدة وتصحبها المكالمة ، ومنهم من تحصل له المشاهدة دون المكالمة ، ومنهم من تحصل له الكرامات الواضحة ، ومنهم من لا يرى شيئا من ذلك استغناء عنها بكرامة المعرفة . وما قيل في الرسل من عدم تعيين المفضول ، مثله يقال في حق الأولياء ، وإلا وقع في الغيبة الشنيعة ؛ فإن لحوم الأولياء سموم ، فليعتقد الكمال في الجميع ، ولا يصرح بتعيين المفضول كما تقدم . واللّه تعالى أعلم . ولما ذكر الحق تعالى أحوال الرسل ، وتفاوتهم في العناية ، ذكر أحوال أممهم وتفاوتهم في الهداية ، فقال : وَلَوْ شاءَ . . . قلت : إذا وقع فعل المشيئة بعد ( لو ) فالغالب حذف مفعوله ، كقوله : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ، أي : لو شئنا رفعه لرفعناه بها ، وكقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ . . . ، أي : لو شاء هدايتهم ما اقتتلوا ، وغير ذلك . يقول الحق جل جلاله : ولما بعثت الرسل ، وفضّلت بعضهم على بعض ، اختلفت أممهم من بعدهم فاقتتلوا ، وكل ذلك بإرادتى ومشيئتى ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هداية أممهم مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ المعجزات الواضحات في تحقيق رسالتهم وصحة نبوتهم ، وَلكِنِ اخْتَلَفُوا بغيا وحسدا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بتوفيقه لاتباع دين الأنبياء ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بمخالفتهم ، فكان من الأشقياء ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ جمعهم على الهدى مَا اقْتَتَلُوا ، لكن حكمته اقتضت وجود الاختلاف ؛ ليظهر سر اسمه المنتقم والقهار واسمه الكريم والحليم ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ . وفي الآية دليل على أن الحوادث كلها بيد اللّه خيرها وشرها ، وأن أفعال العباد كلها بقدرته تعالى ، لا تأثير لشئ من الكائنات فيها . وهذا يردّ قول المعتزلة القائلين بخلق العبد أفعاله ، فما أبعدهم عن اللّه . نسأل اللّه العصمة بمنّه وكرمه . الإشارة : اختلاف الناس على الأولياء سنة ماضية وحكمة أزلية ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * ، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، فمن رأيته من الأولياء اتفق الناس على تعظيمه في حياته فهو ناقص أو جاهل باللّه ؛ إذ