ابن عجيبة

263

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : و الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ : مبتدأ ، و يَتَرَبَّصْنَ : خبر ، ولا بد من الحذف ليصح الإخبار ، إما من الصدر أو من العجز ، أي : وأزواج الذين يتوفون ، أو الذين يتوفون أزواجهن يتربصن . يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ يموتون منكم ، أيها المؤمنون ، ويتركون أَزْواجاً ، فلا يتزوجن حتى يَتَرَبَّصْنَ أي : يمكثن بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعشرة أيام ؛ لأن الجنين يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرا ، ولأربعة إن كان أنثى في الغالب « 1 » ، وزيد عشرة ، استظهارا ، هذا في غير الحامل ، أما الحامل ، فعدتها وضع حملها . فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي : انقضت عدتهن ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للنكاح أو التزوج ، بِالْمَعْرُوفِ ، بحيث لا ينكره الشرع من تزين ونكاح ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيجازيكم على ما فعلتم . وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الخطّاب فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ للمعتدات مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ ؛ كقول الرجل : إني لراغب في صحبتكم ، وإني أريد أن أتزوج في هذه الساعة . وإنك لنافقة « 2 » ، أو لا يصلح لك أن تبقى بلا زوج ، ونحو هذا ، أَوْ أَكْنَنْتُمْ أي : أضمرتم فِي أَنْفُسِكُمْ في زمن العدة من أمر التزوج دون تصريح ، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ ستذكرون النساء المعتدات ، وتتكلمون في نكاحهن ، حرصا وتمنيا ، فعرّضوا بذلك ، وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي : في الخلوة ، أو لا تواعدوهن نكاحا أو جماعا ، إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وهو التعريض بالألفاظ المتقدمة . ولا تقطعوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ، وتعزموا على فعله ، حَتَّى يَبْلُغَ كتاب المعتدة أَجَلَهُ ، وتنقضى العدة ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من الرغبة والحرص ، فَاحْذَرُوهُ فإنّ الحرص على الشيء ، والرغبة فيه ، قبل أوانه ، ربما يعاقب صاحبه بحرمانه ، وما قدّر لك لا يكون لغيرك ، وما كان لغيرك لا يكون لك ، ولو فعلت ما فعلت ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما استعجلتم ؛ فإن الإنسان خلق عجولا ، حَلِيمٌ فلا يعاجلكم ولا يفضح سرائركم .

--> ( 1 ) ذكر ذلك البيضاوي ، في أنوار التنزيل . وفيه منافاة للحديث المتفق عليه : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه . . . ) الحديث إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : ( ثم يرسل الملك ، فينفخ فيه الروح . . . ) وظاهر الحديث يفيد : أن نفخ الروح بعد هذه المدة مطلقا ، لا فرق بين ذكر وأنثى . راجع تفسير الآلوسي . ( 2 ) نافقه أي : مرغوب فيها .