ابن عجيبة
253
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
روى أن اليهود كانوا يقولون : من جامع امرأته من خلفها في قبلها جاء الولد أحول ، فذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت . وقيل : إنّ قريشا كانوا يأتون النساء من قدّام ، مستلقية ، والأنصار كانوا يأتوهن من خلف ، باركة ، فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار ، فأراد أن يفعل عادته ، فامتنعت ، وأرادت عادتها ، فاختصما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنزلت الآية بالتخيير للرجل ، مع الإتيان في المحل . وأما الإتيان في الدّبر فحرام ، ملعون فاعله ، وقال في القوت : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أي : في أي وقت شئتم ، ومن أي مكان شئتم ، مع اتحاد المحل . ه . ثم حذّر الحق تعالى من متابعة شهوة النساء ، والغفلة عن اللّه ، فقال : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ما تجدون ثوابه مدخرا عنده ، وهو ذكر اللّه في مظان الغفلة ، قيل : التسمية قبل الوطء وقيل : طلب الولد ، والتحقيق : أنه الحضور مع الحق عند هيجان الشهوة ، قال بعض العارفين : إني لا أغيب عن اللّه ولو في حالة الجماع . ه . وهذا شأن أهل الجمع ، لا يفترقون عن الحضرة ساعة . وهذه التقوى التي أمر اللّه بها بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ أي : لا تغيبكم عنه شهوة النساء ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فترون وبال الغفلة وجزاء اليقظة ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالقرب من رب العالمين . الإشارة : إذا سئلت - أيها العارف - عن النفس في حال جنابتها بالغفلة ، وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا ، فقل : هي أذى ، أي : قذر ونجس ، من قرب منها لطّخته بنجاستها ، فلا يحل القرب منه ، أو الصحبة معها ، حتى تطهر من جنابة الغفلة باليقظة ، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد ، ورفع الهمة عنها ، فإذا تطهرت فأتها ، وردها إلى حضرة مولاها ، كما أمرك اللّه ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، وقد تابت ورجعت إلى مولاها ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، وقد تطهرت من جنابة الغفلة ، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة ، فصارت لك أرضا لزراعة حقوق العبودية ، ومنبتا لبذر شهود عظمة الربوبية ، فأتوا حرثكم - أيها العارفون - أنى شئتم ، أي : ازرعوا في أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما شئتم ، وفي أي وقت شئتم . فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية . وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز ، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى ، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة . والحاصل : بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات . قال تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ . فإذا تركتها هملا ، أنبتت لك الشوك والحنظل . وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية ، واتقوا اللّه فلا تشهدوا معه سواه ، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه ، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين .