ابن عجيبة

251

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : ولا تتزوجوا النساء الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ، ونكاحهن حرام ، بخلاف الكتابيات ، كما في سورة المائدة . ونكاح أمة سوداء مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ نكاح مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ حسنا وحسبا ومالا ، أو : ولا مرأة مؤمنة أمة كانت أو حرة خير من مشركة ؛ إذ النساء كلهن إماء اللّه . روى أنه - عليه الصلاة والسلام - بعث مرثدا الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين فأتته امرأة يقال لها : عناق ، وكان يهواها في الجاهلية - فقالت : ألا تخلو ؟ فقال : إن الإسلام حال بيننا ، فقالت : هل لك أن تتزوج بي ؟ فقال : نعم ، ولكن أستشير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاستشاره ، فنزلت الآية . قاله البيضاوي . ولا تزوجوا المشركين وليّتكم ، وهو حرام مطلقا ؛ إذ الرجال قوامون على النساء ، ولا تسلّط للكافر على المسلمة ، فلا تنكحوهم حَتَّى يُؤْمِنُوا ، وَلَعَبْدٌ أسود مملوك مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ حسبا ومالا ؛ إذ لا حسب مع الكفر . وإنما حرّم نكاح أهل الكفر ؛ لأنهم يَدْعُونَ إِلَى الكفر ، وهو سبب النَّارِ ، والصحبة توجب عقد المحبة ، والطباع تسرق ، فلا يؤمن جانب الكفر أن يغلب على الإيمان ، وَاللَّهُ تعالى إنما يَدْعُوا إِلَى سبب الْمَغْفِرَةِ ، والتطهير من لوث الكفر والمعاصي بِإِذْنِهِ وقدرته ، فلا يأمر إلا بما يقوى عقد الإيمان واليقين ، وينهض إلى الطاعات ، وهو صحبة أهل الإيمان واليقين ، وَيُبَيِّنُ آياتِهِ الدالة على جمع عباده إليه لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فيها ، ويتعظون بتذكيرها ووعظها . الإشارة : لا ينبغي للفقير أن يعقد مع نفسه عقد الصحبة والمودة ، أو ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة ، ما دامت مشركة بشهود السّوى ، أو مائلة بطبعها إلى الهوى ، ولأن تكون عندك نفس مؤمنة بعلم التوحيد ، خير من نفس مشركة برؤية الغير ، ولو أعجبتك في الطاعة ، وظهور الاستقامة ، فقد تظهر الطاعة والخدمة ، وتبطن مالها فيها من الحظوظ والمتعة ، فليتهمها ما دامت مشركة ، فإذا آمنت ووحدت اللّه تعالى ، فلم تر معه سواه ، فلا بأس بعقد النكاح معها ، فإنها لا تأمره إلا بما يقوى شهودها وتوحيدها . وكذلك لا ينبغي أن يعقد نكاح نفسه ، ويدفعها لمن يشهد السّوى ؛ شيخا أو أخا ، ولو أعجبك طاعته واجتهاده ، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه ، خير من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه ، أولئك أهل النفوس - يدعون إلى نار الشهوات والحظوظ العاجلة أو الآجلة ، واللّه يدعو إلى التطهير من شهود الأغيار ، والدخول في حضرة الأسرار ، وهذا لا يكون إلا للعارفين الأبرار ؛ الذين تطهروا من الأكدار ، وتخلصوا من شهود الأغيار ، كذلك يبين اللّه آياته للناس - الدالة على وحدانيته - لعلهم يتعظون فينزجرون عن متابعة الهوى ، أو رؤية وجود السوي . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق .