ابن عجيبة
244
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ أي : عن القتال في الأشهر الحرم ، قُلْ لهم : القتال في الشهر الحرام أمره كَبِيرٌ ، لكن ما وقع من الكفار من صد الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : منعهم من الإسلام والطاعة ، وكذلك كفرهم باللّه وصدهم المسلمين عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عام الحديبية ، وإخراج المسلمين من مكة التي هي بلدهم - وَالْفِتْنَةُ التي هم فيها من الكفر ، وافتتان الناس عن دينهم - أَكْبَرُ جرما من القتال الذي وقع في الشهر الحرام تأويلا وظنا أنه لم يدخل الشهر الحرام . وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعث سرية وأمّر عليها عبد اللّه بن جحش في آخر جمادى الآخرة ، فلقوا عمرو بن الحضرمي ، مع أناس من قريش ، بعد غروب الشمس من جمادى الآخرة ، فرموا عمرا فقتلوه ، وأخذوا الغنيمة ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام : « لم آمركم أن تقتلوا في الشهر الحرام » فندموا ، وبعثت قريش بالعتاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : كيف تستحل القتال في الشهر الحرام ؟ فنزلت هذه الآية . ثم نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً . ثم قال الحق جل جلاله في التحذير من الكفار : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ، لكن لا يطيقون ذلك ، وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ويستمر عليه حتى يموت وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا فلا حرمة له ، ولا نصيب له في الفيء والغنيمة ، وفي الْآخِرَةِ فلا يرى لها ثوابا ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . ومفهوم الآية : أنه إن رجع قبل الموت لا يحبط عمله ، وهو قول الشافعي . وقال مالك : يحبط أجر كل ما عمل ، ويعيد الحج ، إن تقدم على الردة ، ويقبل منه الإسلام إن رجع ، فإن لم يرجع أمهل ثلاثة أيام ، ثم يقتل . ولمّا نزلت الآية في إسقاط الحرج ، ظنوا أنه لا أجر لهم في ذلك الجهاد ، فأنزل الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ أي ثوابه ، وَاللَّهُ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ بهم ، فلا يضيع جهادهم في هذه السريّة ، وأعاد الموصول لتعظيم شأن الهجرة والجهاد ، وعبّر بالرجاء إشعارا بأن العمل غير موجب للثواب ، وإنما هو عبودية ، والأمر بيد اللّه ؛ إن شاء أثاب وإن شاء عاقب ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ . الإشارة : تعظيم الزمان والمكان يكون بقدر ما يقع فيه من طاعة الملك الديان ، فالزمان الذي تهب فيه نفحات القبول والإقبال ، لا ينبغي أن يقع فيه ملاججة ولا قتال ، وهو وقت حضرة الذكر ، أو التذكير ، أو الجلوس مع