ابن عجيبة

238

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

في أعلى عليين ، وخفض الكفار في أسفل سافلين . فهم يسخرون منهم في دار الدنيا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ لأنهم في عليين ، والآخرون في أسفل سافلين . أو لأنهم في كرامة ، والآخرون في مذلة . أو لأنهم يسخرون منهم يوم القيامة كما سخروا منهم في الدنيا . وعبّر بالتقوى لأنها سبب رفعهم واستعلائهم . وأما استهزاؤهم بهم لأجل فقرهم ، فإن الفقر شرف للعبد ، والبسط في الدنيا لا يدل على شرفه ؛ فقد يكون استدراجا ، وقد يكون عونا ، فاللّه يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ، أي : بغير تقدير ، فيوسع في الدنيا استدراجا وابتلاء ، ويقتر على من يشاء اختبارا وتمحيصا ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ . الإشارة : اعلم أن عمل أهل الباطن كله باطني قلبي ، بين تفكر واعتبار ، وشهود واستبصار ، أو نقول : بين فكرة ونظرة وعكوف في الحضرة ، فلا يظهرون من أعمالهم إلا المهم من الواجبات ، ولذلك قال بعضهم : إذا وصل العمل إلى القلوب استراحت الجوارح ، ( ومعلوم أن الذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح ) « 1 » ؛ لأن أعمال القلوب خفية ، لا يطلع عليها ملك فيكتبها ، ولا شيطان فيفسدها ، الإخلاص فيها محقق . وأيضا : « تفكر ساعة أفضل من عبادة ستين سنة » . وسئل - عليه الصلاة والسلام - : « أىّ الأعمال أفضل ؟ قال : العلم باللّه . قيل : يا رسول اللّه سألناك عن العمل ؟ فقال : العلم باللّه ، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلم : إذا حصل العلم باللّه كفى قليل العمل » . أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، فلما خفيت أعمال أهل الباطن سخر منهم أهل الظاهر ، واستصغروا شأنهم ؛ حيث لم يروا عليهم من الأعمال ما رأوا على العبّاد والزهاد . والذين اتقوا شهود ما سوى اللّه ، أو كل ما يشغل عن اللّه ، فوقهم يوم القيامة ؛ لأنهم من المقربين وغيرهم من عوام المسلمين ، واللّه يرزق من يشاء في الدارين بغير حساب ، أي : بغير تقدير ولا حصر ، فيرزق العلوم ، ويفتح مخازن الفهوم على من توجه إلى مولاه ، وفرغ قلبه مما سواه . وباللّه التوفيق . ثم ذكر الحق تعالى حكمة بعثه الرسل ، فقال :

--> ( 1 ) عزاه السراج الطوسي في اللمع إلى أبى سليمان الداراني . وقال السراج موضحا معناه : هذا الذي قال أبو سليمان يحتمل معنيين ، أحدهما : أنه أراد بذلك : استراحت الجوارح من المجاهدات والمكابدات من الأعمال ، إذا اشتغل بحفظ قلبه ومراعاة سره من الخواطر المشغلة والعوارض المذمومة التي تشغل قلبه عن ذكر اللّه تعالى . ويحتمل أيضا أنه أراد بذلك : أن يتمكن من المجاهدة ، والأعمال والعبادات وتصير وطنه حتى يستلذها بقلبه ويجد حلاوتها ، ويسقط عنه التعب ووجود الألم الذي كان يجد قبل ذلك .