ابن عجيبة
228
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى عن الطمع في الخلق ، وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ، وأفردونى في سركم حتى أفتح لكم الباب ، وأدخلكم مع الأحباب . الإشارة : معاملة الأبدان مؤقتة بالأماكن والأزمان ، ومعاملة القلوب أو الأرواح غير مؤقتة بزمان مخصوص ، ولامكان مخصوص ، فحج القلوب ، الأزمنة كلها له ميقات ، والأماكن كلها عرفات ، حج القلوب هو العكوف في حضرة علام الغيوب ، وهي مسرمدة على الدوام على مرّ الليالي والأيام ، فكل وقت عندهم ليلة القدر ، وكل مكان عندهم عرفة المشرّفة القدر ، وأنشدوا : لولا شهود جمالكم في ذاتي * ما كنت أرضى ساعة بحياتي ما ليلة القدر المعظّم شأنها * إلا إذا عمرت بكم أوقاتي إن المحبّ إذا تمكّن في الهوى * والحبّ لم يحتج إلى ميقات وقال آخر « 1 » : كلّ وقت من حبيبي * قدره كألف حجّه فاز من خلّى الشّواغل * ولمولاه توجّه فمن فرض على قلبه حجّ الحضرة فليلتزم الأدب والنظرة ، والسكوت والفكرة ، قال تعالى وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ولا مراء ، إذ مبنى طريقهم على التسليم والرضى ، وما تفعلوا من خير فليس على اللّه بخفي . وتزودوا بتقوى شهود السّوى ، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ، وجماع التقوى هي مخالفة الهوى ، ومحبة المولى ، فهذه تقوى أولى الألباب ؛ الذين صفت مرآة قلوبهم ، فأبصروا الرشد والصواب . وباللّه التوفيق . ثم أباح الحق تعالى التجارة في مواسم الحج ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 198 إلى 199 ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) قلت : ( أن تبتغوا ) : على إسقاط حرف الجر ، أي : في أن تبتغوا ، وسبب نزول الآية : أن عكاظا ومجنّة وذا المجاز - أسماء مواضع - كانت أسواقا في الجاهلية يعمرونها في مواسم الحج ، وكانت معايشهم منها ، فلما جاء الإسلام تأثّموا وتحرجوا أن يتجروا فيها ، فقال لهم الحق جل جلاله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي : إثم أو ميل
--> ( 1 ) وهو الششتري .