ابن عجيبة

220

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أي : عن حكمة اختلاف الأهلة بالزيادة والنقص ، قُلْ لهم يا محمد : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ يوقّتون بها ديونهم ، ويعرفون بها أوقات زرعهم ، وعدد نسائهم وصيامهم . وهي أيضا مواقيت للحج ، يعرفون بذلك وقت دخوله وخروجه ، فيعرفون الأداء من القضاء ، فلو كانت على حالة واحدة لم يعرفوا ذلك . أجابهم الحق تعالى بغير ما ينتظرون ؛ إشارة إلى أن السؤال عن سر الاختلاف ، ليس فيه منفعة شرعية ، وإنما ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية . قال أهل الهيئة : إن نوره من نور الشمس ، وجرمه أطلس ، فكلما بعد من مسامتة الشمس قابله نورها ، فإذا قرب منها لم يقابله من نورها إلا بعض جرمه ، فإذا دخل تحتها في الفلك كان ظهره كله إليها ، فلم يقابله شئ من نورها ، فإذا خرج من تحتها قابله بقدر ذلك ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا ظهر هلال السعادة في أفق الإرادة ، وهبّت ريح الهداية من ناحية سابق العناية ، دخل وقت حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب ، فهلال الهداية للسائرين ، وهم أرباب الأحوال أهل التلوين ، يزداد نوره بزيادة اليقين ، وينقص بنقصانه ، على حسب ضعف حاله وقوته ، حتى يتحقق الوصال ، ويرزق صفة الكمال . وأنشدوا : كلّ يوم تتلوّن * غير هذا بك أجمل فصاحب التلوين بين الزيادة والنقصان ، إلى أن تطلع عليه شمس العرفان ، فإذا طلعت شمس العرفان فليس بعدها زيادة ولا نقصان ، وأنشدوا : طلعت شمس من أحبّ بليل * واستضاءت فما تلاها غروب إنّ شمس النّهار تغرب باللي * ل وشمس القلوب ليست تغيب بخلاف صاحب التمكين ؛ فإنه أبدا في ضياء معرفته ، متمكن في برج سعادته ، لا يلحق شمسه كسوف ولا حجاب ، ولا يستر نورها ظلمة ولا سحاب ، فلو طلب الحجاب لم يجب . قال بعض العارفين : ( لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ، فإنه لا غير معه حتى أشهده ) . ثم حذّر الحق تعالى مما ابتدعه المشركون في الحج ، فقال : وَلَيْسَ الْبِرُّ . . .