ابن عجيبة
217
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وأجيب بأنه ليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وإنما فيه تأخير البيان لوقت الحاجة ، وهو جائز . وبيان ذلك أنه لمّا نزل قوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنون مراد اللّه منهما ، واستمر عملهم على ذلك ، فكانت الآية مبينة في حقهم لا مجملة . وأما عدىّ بن حاتم فكان بدويّا مشتغلا بالصيد ، ولم يكن فيه حنكة أهل الحاضرة ، فحمل الآية على ظاهرها ؛ ولذلك قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنك لعريض القفا » . فنزلت الآية تبين لعدى مراد اللّه عند الحاجة إلى البيان . مع أن السيوطي ذكر في التوشيح خلاف هذا ؛ ونصه : قال بعضهم : كأنّ عديّا لم يسمع هذه اللفظة من الآية ؛ لأنها نزلت قبل إسلامه بمدة ، وذلك أن إسلامه كان في السنة التاسعة أو العاشرة ، بعد نزول الآية بمدة ، قال : علّمنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الصلاة والصيام ، فقال : « صل كذا ، وصم كذا ، فإن غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فأخذ الخيطين . . . » . الحديث . فقال له - عليه الصلاة والسلام : « ألم أقل لك من الفجر ؟ » فتبين أن قوله في الحديث : « فأنزل اللّه من الفجر » من تصرّف الرواة . ه . مختصرا ، فهذا صريح في أن الآية نزلت بتمامها مبينة فلم يكن فيها تأخير ، واللّه تعالى أعلم . ثم بيّن الحق تعالى غاية الصوم ، فقال : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فمن أفطر مع الشك في الغروب ، فعليه الكفارة ، بخلاف الشك في الفجر للاستصحاب . ولما كان الاعتكاف من لوازم الصوم ذكر بعض أحكامه بإثره فقال : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ أي : النساء وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ، فالمباشرة للمعتكف حرام ، وتفسد الاعتكاف . كانت المباشرة في المسجد أو خارجه . وكان الرجل يكون معتكفا فيخرج فيصيب زوجه ثم يرجع ، فنزلت الآية - تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ قد حدها لكم ، فَلا تَقْرَبُوها فضلا عن أن تعتدوها ، كَذلِكَ أي : مثل هذا البيان التام ، يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ محارمه . الإشارة : قد تقدم أن صوم الخواص ، وخواص الخواص ، هو الإمساك عن الفضول ، وعن كل ما يقطع عن الوصول . أو الإمساك عن شهود الأغيار ، وعن كل ما يوجب الأكدار . فإن عزمت النفس على هذا الصوم وعقدت النية عليه ، حلّ لها أن تباشر أبكار العلوم اللدنية الوهبية ، والحقائق العرفانية ، وتفضى إلى ثيبات العلوم الرّسمية الكسبية . العلوم اللدنية الوهبية شعارها ، والعلوم الرسمية دثارها « 1 » . العلوم اللدنية لباس باطنها ، والعلوم الرسمية لباس ظاهرها .
--> ( 1 ) الشعار : ما ولى جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب ، والدثار : الثوب الذي يكون فوق الشعار .