ابن عجيبة

212

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فرض عليكم الصِّيامُ كما فرض عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء وأممهم من لدن آدم ، فلكم فيهم أسوة ، فلا يشق عليكم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعاصي ، فإن الصوم يكسر الشهوة . ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - : « من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم ، فإنّه له وجاء » . وذلك الصيام إنما هو في أيام قلائل مَعْدُوداتٍ ، فلا يهولكم أمره ، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً يشق عليه الصيام ، أَوْ عَلى سَفَرٍ فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ بعد تمام الشهر ، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ بلا مشقة ، إن أرادوا أن يفطروا فِدْيَةٌ وهي : طَعامُ مِسْكِينٍ : مدّ لكل يوم . وفي قراءة فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ أي : وهي طعام مسكين لكل يوم . وقيل : نصف صاع . فَمَنْ تَطَوَّعَ بزيادة المد ، أو أطعم مسكينين عن يوم ، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وأعظم أجرا ، وَأَنْ تَصُومُوا أيها المطيقون للصيام ، خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في الصيام من الأسرار ، والخير المدرار ، ثم نسخ بقوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . وذلك الصيام الذي أمرتم به هو شَهْرُ رَمَضانَ المبارك الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أي : ابتداء نزوله فيه . أو إلى سماء الدنيا ، حالة كونه هُدىً لِلنَّاسِ أي : هاديا لهم إلى طريق الوصول ، وآيات واضحات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ الذي يفرق بين الحق والباطل . وإن شئت قلت : فيه هدى للناس إلى مقام الإسلام ، وَبَيِّناتٍ ، أي : حججا واضحة تهدى إلى تحقق الإيمان ، وإلى تحقق الفرق بين الحق والباطل ، وهو ما سوى اللّه ، فيتحقق مقام الإحسان . فَمَنْ حضر منكم في الشَّهْرَ ولم يكن مسافرا فَلْيَصُمْهُ وجوبا ، وكان في أول الإسلام على سبيل التخيير ؛ لأنه شق عليهم حيث لم يألفوه ، فلما ألفوه واستمروا معه ، حتّمه عليهم في الحضور والصحة . وَمَنْ كانَ مَرِيضاً يشق عليه الصيام ، أَوْ عَلى جناح سَفَرٍ ، بحيث شرع فيه قبل الفجر فأفطر فيه ، فعليه فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ والتخفيف ، حيث خفّف عنكم ، . وأباح الفطر في المرض والسفر ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ إذ لم يجعل عليكم في الدّين من حرج ، وإنما أمركم بالقضاء لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ التي أمركم بها ، وهي تمام الشهر ، وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ، أمركم بصيامه فتكبروا عند تمامه . ووقت التكبير عند مالك : من حين يخرج إلى المصلّى ، بعد الطلوع ، إلى مجيئ الإمام إلى الصلاة . ولفظه المختار : ( اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، لا إله إلا اللّه ، اللّه أكبر وللّه الحمد على ما هدانا ، اللهم اجعلنا من الشاكرين ) ؛ لجمعه