ابن عجيبة
208
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والسلام - : « لا يقتل مسلم بكافر ولا حرّ بعبد » ، والعبد يقتل بالعبد ، إن أراد سيد المقتول قتله ، فإن استحياه خيّر سيده بين إسلامه وفدائه بقيمة العبد . وكذلك إن قتل الحر خيّر أولياؤه بين قتله أو استرقاقه ، فإن استحيوه خيّر سيده بين إسلامه وفدائه بدية الحر العمد ، والأنثى تقتل بالأنثى والذكر ، والذكر يقتل بالأنثى . وتخصيص الآية بالمساوي ، قال مالك : ( أحسن ما سمعت في هذه الآية : أنه يراد بها الجنس - أي : جنس الحر - والذكر والأنثى فيه سواء . وأعيد ذكر الأنثى تأكيدا وتهمّما بإذهاب أمر الجاهلية ) . ه . يعنى أن ( أل ) في الحر : للجنس ، تشمل الذكر والأنثى . وأعاد ذكر الأنثى اهتماما برد ما كان يفعله الجاهلية من عدم القود فيها . ثم قال الحق جل جلاله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ دم أخيه شَيْءٌ ولو قلّ ، فقد سقط القتل ، فالواجب اتباع للقاتل بالدية بِالْمَعْرُوفِ من غير تعنيف ولا تعنيت ، و أَداءٌ من القاتل بِإِحْسانٍ من غير مطل ولا بخس . ذلِكَ - الذي شرعت لكم من أمر العفو والدية - تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ بكم ، وقد كتب على اليهود القصاص وحده ، وعلى النصارى العفو مطلقا . وخيّركم أيها الأمة المحمدية بين أخذ الدية والقصاص . فَمَنِ اعْتَدى بعد أخذ الدية وقتل فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ في الدنيا والآخرة ، في الدنيا : بأن يقتل لا محالة ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « لا أعافى أحدا قتل بعد أخذ الدّية » . وَلَكُمْ يا معشر المسلمين فِي تشريع الْقِصاصِ حَياةٌ عظيمة في الدنيا ، لانزجار القاتل إذا علم أنه يقتص منه ، وقد كانوا يقتلون الجماعة في الواحد ، فسلموا من القتل بشروع القصاص ، أو في الآخرة ، فإن القاتل إذا اقتصّ منه في الدنيا لم يؤخذ به في الآخرة ، فاعتبروا يا أُولِي الْأَلْبابِ أي : العقول الكاملة ، ما في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ اللّه في المحافظة على القصاص ، والحكم به والإذعان له ، أو تكفّون عن القتل خوفا من اللّه . الإشارة : كما جعل اللّه القصاص في الجناية الحسية ، جعل القصاص في الجناية المعنوية ، وهي الجناية على النفس بسوء الأدب مع اللّه ، فكل من صدر منه هفوة أو زلة ، اقتص الحق تعالى منه في دار الدنيا ، إن كانت له من اللّه عناية ، الكبيرة بالكبيرة والصغيرة بالصغيرة . وتأمّل قضية الرجل الذي كان يطوف بالكعبة ، فنظر إلى امرأة ، فلطمته كفّ من الهوى ، وذهبت عينه ، فقال : آه ، فقيل له : لطمة بنظرة ، وإن زدت زدنا . ه . وقضية أبى تراب النخشبى : قال رضي اللّه عنه : ما تمنت نفسي شهوة من الشهوات إلا مرة واحدة ، تمنيت خبزا وبيضا وأنا في سفر ، فعدلت إلى قرية ، فقام واحد ، وتعلق بي ، وقال : هذا رأيته مع اللصوص ، فضربوني سبعين درة ، ثم عرفني رجل منهم ، وحملني إلى منزله ، وقدّم لي خبزا وبيضا . فقلت في نفسي : كلّ بعد سبعين درة .