ابن عجيبة

194

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أحبّاى أنتم ، أحسن الدهر أم أسا * فكونوا كما شئتم ، أنا ذلك الخلّ وقال أيضا : لو قال تيها : قف على جمر الغضا « 1 » ، * لوقفت ممتثلا ولم أتوقّف وقال آخر : ولو عذّبتنى في النار حتما * دخلت مطاوعا وسط الجحيم إذا كان الجحيم رضاك عنّى * فما ذاك الجحيم سوى نعيم الإشارة : المحبة : ميل دائم بقلب هائم ، أو مراقبة الحبيب في المشهد والمغيب ، أو مواطأة القلب لمراد الرب ، أو خوف ترك الخدمة مع إقامة الحرمة ، أو استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك ، أو معانقة الطاعة ومباينة المخالفة ، وقال الشّبلى : ( أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك ) والمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه ، ولا مشيئة له غير مشيئته ، وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه : ( المحبة أخذة من اللّه لقلب عبده المؤمن عن كل شئ سواه ، فترى النفس مائلة لطاعته ، والعقل متحصنا بمعروفه ، والروح مأخوذة في حضرته ، والسر مغمورا في مشاهدته ، والعبد يستزيد من محبته فيزداد ، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته ، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة ، ويمسّ أبكار الحقائق وثيبات العلوم ، فمن أجل ذلك قالوا : أولياء اللّه عرائس ، ولا يرى العرائس المجرمون . . . ) إلخ كلامه . واعلم أن محبة العبد لمولاه سببها شيئان : أحدهما : نظر العبد لإحسان اللّه إليه وضروب امتنانه عليه ، وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وهذا هو المسمى بحب الهوى ، وهو مكتسب ، لأن الإنسان مغمور بإحسانات اللّه إليه ، ومتمكن من النظر فيها ، فكلما طالع منة من منن اللّه التي لا تقبل الحصر ولا العدّ ، كان ذلك كحبة زرعت في أرض قلبه الطيب الزكي ، فلا يزال يطالع منة بعد منة ، وكلّ منة أعظم من التي قبلها ، لأنه كلما طالع المنن تنور قلبه وازداد إيمانا ، وكشف من دقائق المنن ما لم يكن يكشف له قبل ، وظهر له خفايا المنن ، وعظمت محبته .

--> ( 1 ) الغضى : شجر خشبه من أصلب الخشب ، وجمره يبغى زمانا طويلا لا ينطفئ .