ابن عجيبة

186

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولا يدخل الجنة أحد غيرهم إلى ميقاتها إلا الصدّيقون ، وهم العارفون ، فهم أعظم من الجميع ؛ لمزيد تصرف وإدراك وسعة روح وريحان ، وتحقق شهود وعيان ، فهم في نعيم الجنان كالشهداء ، لكن الصديقين غير محصورين في حواصل الطيور ، بل لهم هياكل وصور سرحوا بها حيث شاءوا . وكذلك من فوقهم من الأنبياء والرسل ، واللّه تعالى أعلم . ثم قال الحق جل جلاله : ولنختبركم يا معشر المسلمين بِشَيْءٍ قليل مِنَ الْخَوْفِ لهيجان العدو وصولة الكفار ، وَالْجُوعِ لغلاء الأسعار وقلة الثمار ، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران ، وَالْأَنْفُسِ بالموت في الجهاد ، وَالثَّمَراتِ بذهابها بالجوائح . وعن الشافعي رضي اللّه عنه ( الخوف خوف اللّه ، والجوع صوم رمضان ، والنقص من الأموال بالزكوات والصدقات ، ومن الأنفس بالأمراض ، ومن الثمرات موت الأولاد ) . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا مات ولد العبد قال اللّه للملائكة : أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم . فيقول اللّه تعالى : أقبضتم ثمرة قلبه ؟ فيقولون : نعم . فيقول اللّه تعالى : ماذا قال ؟ فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول اللّه تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنّة وسمّوه بيت الحمد » . وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ يا من تتأتى منه البشارة ؛ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ في بدن أو أهل أو مال أو صاحب قالُوا إِنَّا لِلَّهِ ملكا وعبيدا يحكم فينا بما يريد ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فيجازينا بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فتغيب مصائب الدنيا في جانبه . وفي الحديث : « من أصابته مصيبة فقال : إنّا للّه وإنا إليه راجعون . اللهم أجرني في مصيبتى واخلف لي خيرا منها ، إلا أخلف اللّه له خيرا مما أصابه » قالت أم سلمة : فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك ، فأبدلنى اللّه برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . أُولئِكَ الصابرون الراجعون إلى اللّه عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ أي : مغفرة وتطهير مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ أي : عطف ولطف وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ لكل خير في الدنيا والآخرة . الإشارة : يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس ؛ من ترك الحظوظ والشهوات ، والميل إلى العادات والمألوفات ، وبالصلاة الدائمة وهي صلاة القلوب بالعكوف في حضرة الغيوب . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالمعونة والتأييد ، وإشراق أنوار التوحيد ، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار ، وخرق العوائد وخلع العذار : إنه قد مات ، بل هو حي لا يموت ، قال