ابن عجيبة
184
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ما شاء ، وأنا معه إذا ذكرني ، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي . ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه . . » الحديث . أو : فاذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء ، أو : فاذكروني بالتسليم والرضا أذكركم بحسن التدبير ولطف القضاء ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أو : فاذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصال والقربة . أو : فاذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة ، أو : فاذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء ، أو : فاذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال ، إلى غير ذلك مما لا ينحصر . واعلم أن الذكر ثلاثة أنواع : ذكر اللسان فقط وهو ذكر الغافلين « 1 » ، وذكر اللسان والقلب وهو ذكر السائرين ، وذكر القلب فقط ، وهو ذكر الواصلين ، والذكر هو أفضل الأعمال كما تقتضيه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى اللّه تعالى ، إذا كان بشيخ كامل ، واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة من تهليل وتكبير وتسبيح وحمدلة وحسبلة وحوقلة وصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكلّ خاصية وثمرة ، وتجتمع في ذكر المفرد ، وهو : اللّه ، اللّه . فإن ثمرته الفناء في الذات ، وهي الغاية والمنتهى . انظر ابن جزى . قال الحق تعالى : واشكروا لي ما أوليتكم من إحسانى وبرى بأن تنسبوها لي لا لغيرى ، ولا تجحدوا إحسانى فأسلبكم ما خولتكم من إنعامى . الإشارة : كما أنعم اللّه على الأمة المحمدية بأن بعث فيهم رسولا منهم يعلمهم الشريعة النبوية ، ويطهرهم من شهود الغيرية ، ويعلمهم العلوم اللدنية ، كذلك منّ اللّه تعالى على عباده من هذه الأمة في كل زمان ، ببعث شيوخ التربية يطهرون الناس من العيوب ، ويدخلونهم حضرة الغيوب ، ويطلعونهم على شهود القدرة الأزلية والحكمة الإلهية ، ويعلمهم من غرائب العلوم ، ويفتح لهم مخازن الفهوم ، فيطّلعون على السر المصون ، ويعلمون ما لم يكونوا يعلمون ، فيقول لهم الحق جل جلاله : اذكروني بأرواحكم وأسراركم ، أذكركم بالغيبة عن رؤية أشباحكم ، اذكروني بالفكرة والنظرة أمتعكم بدوام شهود الحضرة ، واشكروا لي آلائي وبرى ، ولا تكفروا بالركون إلى غيرى فإني أسلبكم من مزيد معونتى ونصرى .
--> ( 1 ) الغفلة هنا باعتبار عدم موافقة القلب للسان في الذكر .