ابن عجيبة
158
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال البيضاوي : واعلم أن السبب في هذه الضلالة أن أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على الله تعالى ، باعتبار أنه السبب الأول ، حتى قالوا : إن الأب هو الرب الأصغر ، والله تعالى هو الرب الأكبر ، ثم ظن الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة ، فاعتقدوا ذلك تقليدا ، ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا حسما لمادة الفساد . ه . الإشارة : اعلم أنك إذا نظرت بعين البصيرة ، أو بحق البصيرة ، إلى الوجود بأسره ، وجدته ذاتا واحدة ، ونسبته من الحق نسبة واحدة ، أنوار ظاهرة ، وأسرار باطنة ، حكمته ظاهرة ، وقدرته باطنة حسن ظاهر ، ومعنى باطن ، عبودية ظاهرة ، وأسرار معاني الربوبية باطنة ؛ إذ لا قيام للعبودية إلا بأسرار معاني الربوبية ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ، وقال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وقال في الحكم : « الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة ، فالنفس تنظر إلى ظاهر بهجتها ، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها » . فأهل الفرق يثبتون الأشياء مستقلة مع الله ، وربما تغالى بعضهم فأشركها معه في الألوهية ، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . قال محيي الدين الحاتمي : من رأى الخلق لا فعل لهم فقد فاز ، ومن رآهم لا حياة لهم فقد جاز ، ومن رآهم بعين العدم فقد وصل . ه . قلت : ومن أثبتهم بالله فقد تمكن وصاله ، وأنشدوا : من أبصر الخلق كالسراب * فقد ترقّى عن الحجاب إلى وجود تراه رتقا * بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم تشاهد به سواه * هناك تهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه * ولا مشير إلى الخطاب . ه . ولما قال رافع بن حريملة - من أحبار يهود - للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : أسمعنا كلام الله إن كنت رسوله ، أو أرنا آية تصدقك ، ردّ الله تعالى عليه ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 118 إلى 119 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 ) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ( 119 )