ابن عجيبة
149
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الخفة أو في الثواب ، أَوْ نُنْسِها من قلب النبي - عليه الصلاة والسلام - بإذن اللّه ، أو نتركها غير منسوخة ، أو نؤخر إنزالها أو نسخها . باعتبار القراءات ، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ يا محمد أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يعجزه نسخ ولا غيره أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يتصرف فيهما كيف يشاء ، لا راد لما قضى ولا معقّب لما حكم به وأمضى ، ينسخ من شرائع أحكامه ما شاء ، ويثبت فيها ما شاء ، بحسب مصالح العباد ، وما تقتضيه الرأفة والوداد . وهو جائز عقلا وشرعا ، فكما نسخت شريعتهم ما قبلها نسخها ما بعدها ، فمن تحكم على اللّه ، أو رد على أصفياء اللّه ممن اصطفاهم لرسالته ، فليس له مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يمنع من عذاب اللّه ، وَلا نَصِيرٍ ينصره من غضب اللّه . والنسخ إنما يكون في الأوامر والنواهي دون الأخبار ، لأنه يكون كذبا ، ومعنى النسخ : انتهاء العمل بذلك الحكم ، ونقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة ، فلا يلزم عليه البداء كما قالت اليهود ، والنسخ عندنا على ثلاثة أقسام : نسخ اللفظ والمعنى : كما كان يقرأ : « لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر » ، ثم نسخ ، ونسخ اللفظ دون المعنى : « كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » ، ثم نسخ لفظه ، وبقي حكمه وهو الرجم ، ونسخ المعنى دون اللفظ : كآية السيف بعد الأمر بالمهادنة مع الكفار . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه في تفسيرها : ما نذهب من بدل إلا ونأت بخير منه أو مثله . ه . ومعناه : ما نذهب بولي إلا ونأت بخير منه أو مثله إلى يوم القيامة ، وبهذا يردّ على من زعم أن شيخ التربية انقطع ؛ فإن قدرة اللّه عامة ، وملك اللّه قائم ، والأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة حتى يأتي أمر اللّه . قال في لطائف المنن : وقد سئل بعض العارفين عن أولياء المدد : أينقصون في زمن ؟ فقال : لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها ، ولا أبرزت الأرض نباتها ، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم ، ولا بنقص إمدادهم ، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد اللّه وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم ، ثم قال : وقد قال علىّ - كرم اللّه وجهه - في مخاطبته لكميل : اللهم لا تخلو الأرض من قائم لك بحجتك ، أولئك الأقلون عددا ، الأعظمون عند اللّه قدرا ، قلوبهم معلقة بالمحل الأعلى . أولئك خلفاء اللّه في بلاده وعباده ، وا شوقاه إلى رؤيتهم . وروى الترمذي الحكيم عن ابن عمر رضي اللّه عنه يرفعه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره » . وباللّه التوفيق .