ابن عجيبة

147

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولما كان المسلمون يقولون للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : راعنا يا رسول اللّه وأرعنا سمعك ، يعنون من المراعاة والانتظار ، وهي عند اليهود سب من الرعونة ، ففرحت اليهود ، وقالوا : كنا نسب محمدا سرا ، فأعلنوا له بالشتم ، فكانوا يقولون : يا محمد راعنا ويضحكون ، نهى اللّه تعالى المسلمين عن هذه اللفظة ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 104 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) قلت : يقال راعى الشيء يراعيه مراعاة : انتظره أو التفت إليه . ويقال : رعى إلى الشيء ، وراعاه وأرعاه : إذا أصغى إليه واستمعه . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : راعِنا أي : انتظرنا أو أمهل علينا لأن في ذلك ذريعة لسب اليهود ، أو قلة أدب ، وقولوا : انْظُرْنا أي : انتظرنا وَلِلْكافِرِينَ المؤذين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عَذابٌ أَلِيمٌ أي : موجع . الإشارة : حسن الخطاب من تمام الآداب ، وتمام الآداب هو السبب الموصل إلى عين الصواب ، فمن لا أدب له لا تربية له ، ومن لا تربية له لا سير له ، ومن لا سير له لا وصول له ، فمن لا يتربى على أيدي الرجال لا يربى الرجال ، وقد قالوا : من أساء الأدب مع الأحباب طرد إلى الباب ، ومن أساء الأدب في الباب طرد إلى سياسة الدواب . وقالوا أيضا : اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقا . وقال آخر : إن الإنسان ليبلغ بالخلق وحسن الأدب إلى عظيم الدرجات وهو قليل العمل ، ومن حرم الأدب حرم الخير كله ، ومن أعطى الأدب فقد مكن من مفاتيح القلوب . قال أبو عثمان رضي اللّه عنه : الأدب عند الأكابر وفي مجالس السادات من الأولياء يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير في الدنيا والعقبى . وقال أبو حفص الحداد رضي اللّه عنه : التصوف كله آداب ، لكل وقت أدب ، ولكل حال أدب ، ولكل مقام أدب ، فمن لازم الأدب بلغ مبلغ الرجال ، ومن حرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب ، مردود من حيث يرجو الوصول . وقال ذو النون المصري رضي اللّه عنه : ( إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء ) . وقيل : من لم يتأدب لوقت فوقته مقت . وقيل : من حبسه النسب أطلقه الأدب ، ومن قل أدبه كثر شغبه . وقيل : الأدب سند الفقراء ، وزينة الأغنياء . ه . وباللّه التوفيق . ومن مساوئ اليهود أيضا الحسد والغل ، وإليه أشار الحق تعالى بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 105 ] ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 105 )