ابن عجيبة

141

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ارحم بنىّ جميع الخلق كلّهم * وانظر إليهم بعين الحلم والشّفقه وقّر كبيرهم وارحم صغيرهم * وراع في كلّ خلق حقّ من خلقه « 1 » وباللّه التوفيق . ولما قال ابن صوريا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يا محمد ما جئت بشئ نعرفه ، وما أنزل اللّه عليك من آية بينة فنتبعك لها ؛ فنزل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 99 ] وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ ( 99 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد آياتٍ واضحات ، مشتملة على علوم غيبية ، وأخبار نبوية ، وشرائع محكمة ، وأنوار قدسية ، وأسرار جبروتية ، وما يجحدها ويكفر بها إلا المتمرد في الكفر والطغيان ، الخارج عن الطاعة والإيمان ، فالفسق ، إذا استعمل في نوع من المعاصي ، دل على أعظمه وأقبحه ، وهو هنا الكفر ، والعياذ باللّه . الإشارة : اعلم أن العبد إذا سبقت له من اللّه العناية ، ألقى اللّه في قلبه التصديق والهداية ، من غير أن يحتاج إلى علامة ولا آية ، بل يكشف له الحق تعالى عن سر الخصوصية وأنوارها ، فيشهد سره لصاحبها بالتقويم ، وتخضع له روحه بالتعظيم ، فتبدو له أنوار الإيمان وتشرق عليه شموس العرفان ، من غير توقف على دليل ولا برهان ، بخلاف من سبق له الحرمان ، فلا ينجح فيه دليل ولا برهان ، والعياذ باللّه من الخذلان . ولما ذكّر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اليهود في شأن العهد الذي أخذه اللّه عليهم فيه ، قال مالك بن الصيف : واللّه ما عهد إلينا في محمد عهد ولا ميثاق ، نزل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 100 ] أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 ) قلت : الهمزة للإنكار ، والواو للعطف على محذوف تقديره : أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا عهدا ، و كُلَّما منصوب على الظرفية ، وهي متضمنة معنى الشرط فتفتقر للجواب ، وهو العامل فيها . والنبذ : الطرح ، لكنه يغلب فيما ينسى ، قاله البيضاوي .

--> ( 1 ) نسبهما الشيخ المفسر في إيقاظ الهمم إلى الحسن الحراني .