ابن عجيبة

14

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ومذاق من مذاقات أولى الإشارات ، وأرباب السلوك ، وأصحاب الطريق . ففيه تذكير بأن ما عزب عن الأفهام دركه من أسرار التفاسير الصوفية الأخرى الدسمة ، لا يمسها بالعيب والطعن ؛ لقصور العقل عن النهوض باستشراق ما أطلع عليه أهلها من أسرار ، فكم من مذاقات تناولها بالعقل متناولوها فمسخوها ، ووصلوا بأهلها إلى الحلول والإلحاد ، وهم بعقائدهم النقية أبعد الناس عن ذلك ، ومن الجور الفادح أن نلبسهم بذلك ثياب الملحدين ، ونرميهم بالكفر أو الانحراف عن سواء السبيل . ومن مميزات ذلك التفسير أنه يكشف عن مشارب القوم ، ونهج الصوفية في استمدادهم من الحق تعالى ، في كل ما يأتون من مواجيد ، فهو يدلّل خلال قراءته - في وعى - على أن كل صغيرة وكبيرة من مفاهيم الصوفية لها أصل من القرآن أو سند من السنّة ؛ لأن قلوبهم مرايا صافية ، يسطع عليها نور الحق ، ومحال أن تعكس ما لا يرضى الحق . فليس الصوفية في الواقع إلا روافد تستقى من ينبوع الشريعة ومعينها الطيب ، غاية الأمر أنهم ملهمون بتجلى اللّه عليهم في كلامه ، بالجديد من أسرار ، وتجليات الله لا تتناهى . ووقف غيرهم عند المسطور المتوارث ، فداروا في نطاقه ، ولم يتجاوزوا حدوده . هذه نبذة عاجلة عن الكتاب وبعض مميزاته . أما عن المؤلف فقد تناول محقق التفسير ما فيه الكفاية والغنى عن البيان . وأبرز استعداده الفطري وحافظته الواعية ، وذكاءه النادر ، ما كان سبيلا إلى أن يحصل من دراسته الأدب والعلوم العقلية والنقلية ، دينية وغير دينية ، ما جعله كنزا للعلوم والآداب ، عدا موهبة سخية في نظم الشعر ، وتذوق الأسلوب العربي ، وعقيدة نقية في تمسكه بمذهب أهل السنة ، لم يشبها ما خاض فيه من علم الكلام وخلافات أهله . فالمؤلف - رحمه اللّه كان مؤهلا أن يدرس الأسلوب القرآني ، ويستخرج منه ما يستخرج من إشاراته . والحق أن تلك الإشارات ليست وليدة دراسة العقول ، وإنما هي وليدة الإلهامات بعد فتح عيون القلوب . وفيما سبق من توضيح ذلك ما يغنى عن تكرار التبيان . فإن كان لإمامنا ابن عجيبة ما سبق من شهرة علمية ودينية وأدبية ولغوية وعقيدية ، فذلك سمة من السمات الدالة على أن رجال الله يعدّهم قبل أن يختارهم لحضرته ، ليعزهم بعزته ، ويكونوا خلفاءه - بحق - في أرضه ، يخاطبون كلّا حسب استعداده ، فتملأ هيبتهم كلّ فراغ ، ويكونون فرسان الحلبة في كل ميدان ومجال . على أن تلك الكنوز العلمية المكتسبة التي اشتهر بها إمامنا « ابن عجيبة » ليست شرطا فيمن يختارهم الله من رجاله ، فمن شاءه وليا ، وأراده له حبيبا علّمه من علمه اللدني ، حتى ولو كان أميا . وسيدي « عبد العزيز التباغ » صاحب الإبريز المشهور ، وسيدي « على الخواص » شيخ الإمام الشعراني وغيرهما من فحول الصوفية ، خير مثال لذلك ، وبذلك تصدق المقولة المشهورة : ( ما اتخذ الله من ولى جاهل ، ولو اتخذه لعلمه ) . والآن أعدك أيها القارئ الكريم لذلك الكتاب العظيم لتدرك بنفسك نفائسه . . . وأختم حديثي تيمنا - بترديد الكلمة المباركة التي كانت أول خطاب من الله لرسوله - عليه الصلاة السلام - أول بعثته فأقول لك : اقْرَأْ . د . حسن عباس زكى