ابن عجيبة

129

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ويجليه عنها ، وجعلهم الحق نفسا واحدة ، وكذلك هو في الحقيقة ، وفي ذلك يقول الشاعر : عنصر الأنفاس منّا واحد * وكذا الأجسام جسم عمّنا ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بهذا العهد والتزمتموه لأنفسكم وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ على أنفسكم بذلك ، ثُمَّ أَنْتُمْ يا هؤُلاءِ اليهود تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ أي : يقتل بعضكم بعضا ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ إجلاء عنها ، تتغالبون عَلَيْهِمْ بالظلم والطغيان ، وَإِنْ يَأْتُوكُمْ مأسورين تفدوهم بمالكم ، وذلك الإخراج محرم عليكم . وحاصل الآية : أن اللّه تعالى أخذ على بني إسرائيل العهد في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا ، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ، وأيّما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل أسيرا فاشتروه بما كان من ثمنه وأعتقوه ، فكانت قريظة حلفاء الأوس ، والنضير حلفاء الخزرج ، وكانوا يقتتلون في الحرب فيعين بنو قريظة حلفاءهم الأوس ، فيقاتلون بنى النضير في قتالهم مع الخزرج ، فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها ، فإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، فعيرتهم العرب ، فقالوا : تقاتلونهم وتفدونهم ؟ ! فيقولون : قد أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، قالوا : فلم تقاتلونهم ؟ فقالوا : إنا نستحي أن يذل حلفاؤنا ، فوبخهم اللّه على ذلك ، فقال : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وهو الفداء وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهو القتل والإخراج ؟ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ أي : ذل وهوان فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وهو السبي والقتل لبنى قريظة ، والجلاء والإخراج من الوطن لبنى النضير ، أو الذل والجزية للفريقين إلى يوم القيامة ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ . وليس ما أصابهم تكفيرا لذنوبهم ، بل نقمة وغضبا عليهم ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . الإشارة : الناس على قسمين : قوم ضعفاء تمسكوا بظاهر الشريعة ولم ينفذوا إلى باطنها ، ولم يقدروا على قتل نفوسهم ، ولا على الخروج من وطن عوائدهم ، فيقول لهم الحق جل جلاله : لا تسفكون دماءكم في محبتي ؛ لأنكم لا تقدرون على ذلك ، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم في سياحة قلوبكم ، فقد أقررتم بعجزكم وضعفكم ، ويقول للأقوياء : ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم في طلب معرفتي ، وتخرجون فريقا منكم من ديار عوائدهم في طلب مرضاتي ، تتعاونون على نفوسكم بالقهر والغلبة ، وكذلك ورد في بعض الأخبار : ( أول ما يقول اللّه للعبد : اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك ، فإن قال : لا ، ما أريد إلا أنت ، قال له : من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ ، ورفع الحدث ، وإثبات القدم ، وذلك يوجب العدم ) وأنشدوا :