ابن عجيبة
122
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ كذلك القلوب القاسية إذا لانت بالإنابة إلى ربها ، والرجوع عن مألوفاتها ، تتفجر منها أنهار العلوم ، وتشقق منها أسرار الحكم ، ومنها من تذوب من هيبة المتجلى لها ، فتندك جبالها ، وتزلزل أرض نفوسها ، كما قال القائل : لو عاينت عيناك يوم تزلزلت * أرض النفوس ودكّت الأجبال لرأيت شمس الحقّ يسطع نورها * حين التزلزل ، والرجال رجال واللّه تعالى أعلم . ثم آيس المؤمنين من الطمع في إيمان من كان هذا وصفه فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 75 إلى 77 ] أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 76 ) أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) قلت : ضمن الإيمان معنى الإذعان والإقرار ؛ ولذلك عداه باللام ، وجملة ( قد كان ) حال من فاعل الإيمان ، و ( إذا لقوا ) عطف على ( كان ) ، والتقدير : أفتطمعون في إيمانهم والحالة أن من سلف منهم كانوا يحرفون كلام اللّه ، ومن حضر منهم الآن ينافقونكم في دين اللّه ، فلا مطمع في إيمان من هذا وصفه . يقول الحق جلا جلاله : أَ فَتَطْمَعُونَ يا معشر المسلمين أن يذعن لكم أهل الكتاب ويصدقوكم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، وهم السبعون الذين ذهبوا مع موسى للاعتذار ، يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ حين كلمهم وكلفهم بمشاق التوراة ، فحرفوا وقالوا : قال افعلوا ما استطعتم ، فإذا لم يحصل لهم الإيمان مع سماع الكلام بلا واسطة ، فكيف يؤمن لكم هؤلاء ، وهم إنما يسمعونه بواسطة الرسالة ؟ أو يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ في التوراة ثم يحرفونه ، محوا أو تأويلا ، كصفة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وآية الرجم وغير ذلك ، مِنْ بَعْدِ ما فهموه وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنه كلام اللّه ، أو وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم محرفون ومغيرون لكلام اللّه .