ابن عجيبة
120
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
واستدلت المالكية بالقصة على التدمية الحمراء « 1 » ، وهي قبول قول القتيل قبل موته بأن فلانا قتله ، وفيه نظر ؛ لأن هذا حيى بعد موته فلا يتطرقه الكذب ، واستدلت أيضا على حرمان القاتل من الإرث ، وفيه نظر ؛ لأن هذه شريعة من قبلنا يتطرقها النسخ ، لكن ثبت في الحديث أنه لا يرث . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا أمر الشيخ المريدين بذبح نفوسهم بخرق عوائدها ، فمن تردد منهم في فعل ما تموت به نفسه ، كان ذلك دليلا على قلة صدقه وضعف نهايته ، ومن بادر منهم إلى قتلها دلّ ذلك على صدقه وفلاحه ونجح نهايته ، فإذا ماتت النفس بالكلية حييت روحه بالمعرفة والمشاهدة الدائمة ، فلا موت بعدها أبدا ، قال تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ، وأما الموت الطبيعي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام ، ومن وطن ضيق إلى وطن واسع ، وأنشدوا : لا تظنّوا الموت موتا إنه * لحياة ، وهو غاية المنى لا ترعكم هجمة الموت فما * هو إلا انتقال من هنا فاخلعوا الأجساد من أنفسكم * تبصروا الحقّ عيانا بيّنا قلت : والسيف الذي يجهز على النفس ويسرع قتلها هو الذل والفقر ، فمن ذل نفسه بين أبناء جنسه ، وخرق عوائد نفسه ، وزهد في الدنيا ، ماتت نفسه في طرفة عين ، وحييت روحه ، وظفر بقرّة العين ، وهي معرفة مولاه ، والغيبة عما سواه . وكمال الوقت في ذبح النفس أن تكون متوسطة بين الصغر والكبر ، فإن الصغيرة جدا لا يؤمن عليها الرجوع ، والكبيرة جدا قد يصعب عليها النزوع ، كاملة الأوصاف بحسن الزهد والعفاف ، تسر الناظرين لبهجة منظرها وحسن طلعتها ، وكذلك من كان من أهل الشهود والنظرة ، تسحر مشاهدته القلوب ، ويسوقها بسرعة إلى حضرة علام الغيوب ، لما أقيم به من مشاهدته الملكوت ، حتى إن من لا حظه تناسى أحوال البشرية ، واستولت عليه أنوار الروحانية ، وغاب في ذكر الحبيب عن البعيد والقريب ، كما في الحديث : « أولياء اللّه من إذا رؤوا ذكر اللّه » وتكون أيضا هذه النفس غير مذللة بطلب الدنيا والحرص عليها ، مسلمة لا عيب فيها ، ولا رقّ لشئ من الأثر عليها ، فحينئذ تصلح للحضرة ، وتتمتع بنعيم الشهود والنظرة ، لم يبق لخصم الفرق معها تدارؤ ولا نزاع ، بل أقر الخصم وارتفع النزاع .
--> ( 1 ) التدمية الحمراء في القتيل الذي به جرح أو أثر ضرب أو سم ، فإن لم يكن به فهي التدمية البيضاء .