ابن عجيبة

112

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وينخرط في سلك أهل الشهود والنظرة ، فيكون من المحسنين المقربين ، فلا جرم أن الله يزيده ترقيا في العلوم والأسرار ، في هذه الدار ، وفي تلك الدار ، بخلاف من خالف ما أمر به من سلوك طريق السفليات ، وتعاطى الأمور العلويات ، قبل كمال التربية ؛ فإنه يرجع إلى غم الحجاب ، وسوء الحساب ؛ بسبب خروجه عن طريق الأحباب ، وسلوكه طريق أهل الغفلة والارتياب . وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم ذكّرهم بنعمة الماء الذي سقاهم في التيه ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 60 ] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) قلت : اسْتَسْقى : طلب السقي ، و « ال » في الْحَجَرَ للعهد ، وهو الحجر الذي فرّ بثوبه ، أو حجر خفيف مربع مثل رأس الرجل ، أمر أن يحمله معه ، فكان يضعه في مخلاته ، فإذا احتاج الماء ضربه ، قيل : كان من رخام ، وقيل : كان كذّان « 1 » ، كان فيه اثنتا عشرة حفرة ، تنبع من كل حفرة عين ماء عذب ، على عدد الأسباط ، فإذا أراد حمله ضربه فجف الماء منه ، وقيل : للجنس ، فكان يضرب أىّ حجر وجد ، فتنفجر منه عيونا ، ثم تسير كل عين في جدول إلى سبط ، فقالوا : إن أفضينا إلى أرض لا حجارة فيها عطشنا ، فأوحى إليه : أن كلّمه يطعك لعلهم يعتبرون . و فَانْفَجَرَتْ : معطوف على محذوف ؛ أي : فضرب فانفجرت ، والعثو : أشد الفساد ، عثا يعثو عثوا ، وعثى يعثى عثيا ، وعاث يعيث عيثا ، و مُفْسِدِينَ : حال مؤكدة لعاملها ، أو مقيدة ، إن قلنا : إن العثو أعم من الفساد ، لصدقه على القصاص ، فإنه عثو غير فساد . انظر البيضاوي . يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين عطشتم في التيه ، فطلبتم من موسى السقي ، فاستسقى لكم ، فَقُلْنَا له : اضْرِبْ بِعَصاكَ التي أخذتها من شعيب عليه السّلام ، وكانت من آس الجنة ، وورثت عن آدم عليه السّلام ، فيها عشرة أذرع ، فضرب فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً على عدد أسباطكم ، فكل عين تجرى إلى سبط قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ معينا ، لا يعدو أحد على أحد ، فقلنا لهم : كُلُوا من المن والسلوى ، وَاشْرَبُوا من الماء الذي رزقناكم ، ولا تطغوا بالنعم فتفسدوا في الأرض بالمعاصي والذنوب ، فيكون ذلك كفرا مستوجبا للسلب بعد العطاء ، روى أنهم كانوا ستمائة ألف ، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا . والله تعالى أعلم .

--> ( 1 ) الكذّان : جمع كذانة ، وهي حجارة فيها رخاوة ، وربما كانت نخرة . قلت : لا يبنى على تعيين هذا الحجر أمر ديني . والأسلم تفويض علمه إلى اللّه تعالى .