ابن عجيبة
108
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقال أيضا : إن كان سفك دمى أقصى مرادكم * فما غلت نظرة منكم بسفك دمى وقال الشيخ أبو العباس المرسى رضى اللّه عنه : ( لا يدخل على الله إلا من بابين ، أحدهما : الموت الحسى ، وهو الموت الطبيعي ، والآخر : الموت الذي تعنيه هذه الطائفة ) . ه . وهو موت النفوس ، فمن لم تمت نفسه لم تحيى روحه . وقال بعض العارفين : ( لا يحصل الدخول على الله حتى يموت أربع موتات : موت أحمر ، وموت أسود ، وموت أبيض ، وموت أخضر . أما الموت الأحمر فهو مخالفة الهوى ، وأما الموت الأسود فهو تحمل الأذى ، وأما الموت الأبيض فهو الجوع - أي : المتوسط - وأما الموت الأخضر فهو لبس المرقعات ، وطرح الرقاع بعضها على بعض ) . قلت : ورأس الهوى وعنصره هو حب الجاه وطلب الرئاسة . فمن نزل إلى أرض الخمول ، وخرق عوائد نفسه فيه ، انخرقت له الحجب ، ولاحت له الأنوار ، وأشرقت عليه الأسرار في مدة قريبة ، وباللّه التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم وبخهم الحق تعالى على طلب الرؤية قبل إبانها ، وقبل تحصيل شروطها ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 55 إلى 56 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) قلت : ( جهرة ) : مصدر نرى ؛ لأنه نوع منه ، أي : نرى الله رؤية عيان ، أو حال من الفاعل ؛ أي : نراه معاينين له ، أو من المفعول ؛ أي : نراه معاينة . يقول الحق جل جلاله : واذكروا أيضا ، يا بني إسرائيل ، حين قلتم لموسى عليه السّلام لما رجع من الطور ، ووجدكم قد عبدتم العجل ، فأخذ منكم سبعين رجلا ممن لم يعبد العجل ، وذهب يعتذر ، فلما سمعتم كلامي أنكرتموه وحرفتموه ، وقلتم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أن هذا كلام اللّه حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ بسبب طلبكم ما لا طاقة لكم به ، فغبتم عن إحساسكم ، وذهبت أرواحكم ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ما فعل بكم ، فاستشفع فيكم موسى عليه السّلام وقال : يا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ، كيف أرجع إلى قومي بغير هؤلاء ؟ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ، وعشتم زمانا بعد ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النعمة ، وتقومون بحسن الخدمة ، فتقروا بربوبيتي ، وتصدقوا برسلي ، فلم تفعلوا .