ابن عجيبة
106
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : واذكروا أيضا حين واعَدْنا مُوسى أن يصوم أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بأيامها متواصلة ، وذلك حين طلبتم منه أن ينزل عليه الكتاب فيه بيان الأحكام ، ثم لما صامها ، وهي : ذو القعدة وعشر ذي الحجة ، وأتى إلى المناجاة ، كفرتم ، و اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الذي صاغه السامري من الحلىّ ، الذي أخذته نساء بني إسرائيل من القبط عارية ، ففروا به ظنا منهم أنه حلال ، فقال لهم هارون عليه السّلام : لا يحل لكم ، فطرحوه في حفرة ، فصاغ منه السامري صورة العجل ، وألقى في جوفه قبضة أخذها من تحت حافر فرس جبريل عليه السّلام حين عبر معهم البحر ، فجعل يخور ، فقال السامري : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ، وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ في عبادته ، ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ بالتوبة وقتل النفس على ما يأتي ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، فلا تعصون بنعمة ، وَ اذكروا أيضا إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الذي طلبتم ، وهو التوراة ، وهو الْفُرْقانَ الذي فرقنا فيه بين الحق والباطل ، كي تهتدوا إلى الصواب فتنجوا من العذاب . الإشارة : ما زالت الأشياخ والأولياء الأقدمون ينتحلون طريق سيدنا موسى عليه السّلام في استعمال هذه الأربعين ، ينفردون فيها إلى مولاهم ، مؤانسة ومناجاة ، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضى اللّه عنه : وصرت موسى زماني * مذ صار بعضي كلّى وقال : صارت جبالى دكّا * من هيبة المتجلّي فيفارقون عشائرهم وأصحابهم في مناجاة الحبيب ، والمؤانسة بالقريب ، فمن أصحابهم من يبقى على عهده في حال غيبة شيخه ، من المجاهدة والمشاهدة ، ومنهم من تسرقه العاجلة فيرجع إلى عبادة عجل حظه وهواه ؛ فيظلم نفسه بمتابعة دنياه ، فإن بادر بالتوبة والإقلاع ، ورجع إلى حضرة شيخه بالاستماع والاتباع ، وقع عنه العفو والغفران ، ورجا ما كان يؤمله من المشاهدة والعيان ، وإلا باء بالعقوبة والخسران ، وكل من اعتزل عن الأحباب والعشائر والأصحاب ، طالبا جمع قلبه ، ورضى ربه ، فلا بد أن ترد عليه أسرار ربانية ومواهب لدنية ، من لدن حكيم عليم ، يظهر بها الحق ، ويدفع بها الباطل ، فيفرق بين الحق والباطل . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر الحق تعالى كيفية توبة من عبد العجل منهم ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 54 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) قلت : البارئ هو : المقدر للأشياء والمظهر لها .