الشوكاني

273

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

المقصد السابع من مقاصد هذا الكتاب في التعادل والترجيح وفيه ثلاث مباحث المبحث الأول في معناهما وفي العمل بالترجيح وفي شروطه اما التعادل فهو التساوي وفي الشرع استواء الأمارتين واما الترجيح فهو اثبات الفضل في أحد جانبي المتقابلين أو جعل شيء راجحا ويقال مجازا لاعتقاد الرجحان وفي الاصطلاح اقتران الأمارة بما تقوى بها على معارضتها قال في المحصول الترجيح تقوية أحد الطرفين على الآخر فيعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الأخر وانما قلنا طرفين لأنه لا يصح الترجيح بين الأمرين الا بعد تكامل كونهما طرفين اما لو لم يتكامل كونهما طرفين أو انفرد كل واحد منهما فإنه لا يصح ترجيح الطرف على ما ليس بطرف انتهى والقصد منه تصحيح الصحيح وابطال الباطل قال الزركشي في البحر اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع عليه وإذا ثبت ان المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية فقد تتعارض في الظاهر بحسب جلائها وخفائها فوجب الترجيح بينهما والعمل بالأقوى والدليل على تعيين الأقوى انه إذا تعارض دليلان أو أمارتان فإما ان يعملا جميعا أو يعمل بالمرجوح أو الراجح وهذا متعين قال اما حقيقته يعني التعارض فهو تفاعل من العرض بضم العين وهو الناحية والجهة كأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عرض بعض أي ناحيته وجهته فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجه وفي الاصطلاح تقابل الدليلين على سبيل الممانعة وللترجيح شروط الأول التساوي في الثبوت فلا تعارض بين الكتاب وخبر الواحد إلا من حيث الدلالة الثاني التساوي في القوة فلا تعارض بين المتواتر والآحاد بل يقدم المتواتر بالاتفاق كما نقله إمام الحرمين الثالث اتفاقهما في الحكم مع اتحاد الوقت والمحل والجهة فلا تعارض بين النهي عن البيع مثلا في وقت النداء مع الإذن به في غيره وحكى إمام الحرمين في تعارض الظاهرين من الكتاب والسنة مذاهب أحدها يقدم الكتاب لخبر معاذ وثانيها تقدم السنة لأنها المفسرة للكتاب والمبينة له وثالثها التعارض وصححه واحتج عليه بالاتفاق وزيف الثاني بأنه ليس الخلاف في السنة المفسرة للكتاب بل المعارضة له وأقسام التعادل والترجيح بحسب القسمة العقلية عشرة لأن الأدلة أربعة الكتاب والسنة والاجماع والقياس فيقع التعارض بين الكتاب والكتاب وبين الكتاب والسنة وبين الكتاب والاجماع وبين الكتاب والقياس فهذه أربعة ويقع بين السنة والسنة وبين السنة والاجماع وبين السنة والقياس فهذه ثلاثة ويقع بين الاجماع والاجماع وبين الاجماع والقياس وبين القياسين فهذه ثلاثة الجميع عشرة قال الرازي في المحصول الأكثرون اتفقوا على جواز التمسك بالترجيح وأنكره بعضهم وقال عند التعارض يلزم التخيير والتوقف لنا وجوه الأول اجماع الصحابة على العمل بالترجيح فإنهم قدموا خبر عائشة بوجوب الغسل عند التقاء الختانين على خبر الماء من الماء وقدموا خبر من روى من أزواجه انه كان صلى الله عليه وآله وسلم يصبح جنبا على ما روى أبو هريرة انه من يصبح جنبا فلا صوم له وقبل علي خبر أبي بكر ولم يحلفه وكان لا يقبل من غيره