محمد ثناء الله المظهري

149

التفسير المظهرى

يجب أداؤه لأهله كما يدل عليه سبب نزول هذه الآية فلهذا قال الصوفية العلية ان الوجود وتوابعه وكل كمال في الممكن فهو ليس لذاته بل مقتبس من مرتبة الوجوب جلّت عظمته وأمانة مودعة مستعارة منه تعالى ومقتضى هذه الآية وجوب ردّ تلك الأمانات إلى أهلها « 1 » بحيث يرى نفسه عاريا منها كما أن السّلطان إذا لبس كنّاسا لباس الامارة فالواجب على الكنّاس ان يرى نفسه في كل حين عاريا كما كان منتسبا لباسه إلى مالكه وإذا غلب على الصّوفى هذه الملاحظة وجد نفسه في نفسه معدوما خاليا عن الوجود وعن سائر الكمالات مبدأ للشرور والمناقص وذلك هو مرتبة الفناء ثم قد ينتفى عنه هذه الرؤية المستعارة أيضا وذلك فناء الفناء ثم يرى نفسه موجودا بوجود مستعار من اللّه تعالى متصفا بصفات مضافة اليه سبحانه باقيا ببقائه وذلك مرتبة البقاء ومن هاهنا قال الله تعالى في الحديث القدسي كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث فإذا وصل الصوفي إلى تلك المرتبة المعبر عنها بالفناء والبقاء المكنى عنها بأداء الأمانة لا يتصور حينئذ ان يصدر من الصوفي تزكية لنفسه حيث يرى نفسه معدوما خاليا عن الكمالات وجاز له حينئذ التكلم بما أعطاه الله من الكمالات والتحديث بما أنعم اللّه عليه من الفضائل والمقامات والمعاملات لان الكمالات حينئذ مضافة إلى اللّه تعالى وكل ثناء واقع على تلك الكمالات راجعة إلى اللّه سبحانه ويظهر استغراق المحامد للّه وانحصار المدائح في اللّه تعالى فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فكأنّ هذه الآية متصلة بقوله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ « 2 » . . . بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وما بينهما اعتراض ومعنى الآيتين لا تزكوا أنفسكم فان كمالاتكم ليست ناشية من أنفسكم بل اللّه يزكى من يشاء بإعطاء نور من أنواره ورشحة من بحار كماله واللّه يأمركم ان تؤدوا الأمانات التي عندكم من الكمالات إلى أهلها حتى لا يتصوّر منكم تزكية نفوسكم ويتأتى منكم أداء بعض محامد ربكم ومن هاهنا يظهر لك جواب ما اعترض بعض الجهال على كلمات المشايخ المشعرة بالتفاخر فإنها بعد أداء الأمانات إلى أهلها ناشية على سبيل التحديث بالنعمة بإذن ربّهم على مقتضى الحكمة واللّه اعلم -

--> ( 1 ) في الأصل إلى أهله - ( 2 ) هكذا في الأصل والنقول لعله سباق قلم أو تصحيف من الناسخ لان قوله تعالى المتقدم ليس هكذا بل هو أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ نعم وقع في سورة والنجم فلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى 2 بو محمد عفا اللّه عنه