اسماعيل بن محمد القونوي

98

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الحياة الأبدية في حقهم والحياة الأبدية هي الحياة الأخروية قال تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [ العنكبوت : 64 ] . قوله : ( والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع ) وفيه تصريح بما ذكرناه من أن معنى جعله ذا قبر في أقبره بمعنى الأمر بدفن القبر في شأنه تعالى والمعنى « 1 » والأمر بدفن القبر فيما أمكنه قوله وصيانة عطف العلة إذ هذه الصيانة هي التكرمة إذ لو طرح على الأرض كسائر الحيوان أو الإنسان الذي ارتد معاذ اللّه تعالى مثلا يأكله السباع . قوله : ( وفي إِذا شاءَ [ عبس : 22 ] إشعار بأن وقت النشور غير متعين في نفسه وإنما هو موكول إلى مشيئته تعالى ) في نفسه أي بالنسبة إلى العباد فإنه متعين في نفسه في علم اللّه تعالى وفي تعبيره نوع مسامحة وإنما هو موكول إلى مشيئته التابعة لعلمه الأزلي وتخصيص هذا الإشعار به دون الموت للإشارة إلى رد السائلين استهزاء مَتى هذَا الْوَعْدُ [ يونس : 48 ] و أَيَّانَ مُرْساها [ النازعات : 42 ] وغير ذلك بأن النشور أمر مقطوع به ولذا عبر بإذا والماضي لكن وقته مما استأثر اللّه تعالى بعلمه ولم يعلمه أحدا من المرسلين والملائكة المقربين ولما لم يكن أحد منكرا للموت والقبر لم يذكر فيهما إذا شاء مع أنه ليس بمتعين في نفسه بالنظر إلينا قال : وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [ لقمان : 34 ] وتدل بدلالة النص على أنها لا تدري في أي وقت تموت وللإشارة إلى ما ذكرناه قال المصنف في تفسير تلك الآية كما لا تدري في أي وقت تموت ونبه بجعله مشبها به على أنه ثابت بطريق الأولوية وأما ما قيل إنا نجزم بأن أحدا من أبناء الزمان لا يتجاوز مائة وخمسين سنة مثلا وليس لأحد مثل هذا الجزم في النشور فضعيف جدا لأن الاستقراء الناقص ليس بمفيد والاستقراء التام غير متحقق « 2 » على أنه يخالف ما ذكر من أن الآية المذكورة تدل بدلالة النص على أن نفسا لا تدري بأي وقت تموت كما صرح به المصنف فلا ظن به فضلا عن الجزم به وكذا ظهر ضعف ما قيل لأن وقت الموت والقبر متعين إجمالا على ما هو المعهود في الأعمار الطبيعية لأنه قد عرفت أنه غير متعين أصلا والأعمار الطبيعية مذهب الفلاسفة ومن تبعه من المتفلسفة ثم قيل وخصت هذه النعم بذكر لما فيها من ذكر أحوال الإنسان من مبدئه إلى انتهائه وما يتضمن من النعم التي محض فضل اللّه تعالى لأنه حقير مهين خرج من مخرج البول مرتين وتكون من نطفة قذرة ثم صار وعاء للقدرة ثم صار جيفة أكرمها بالأمر بالدفن فمن كان في قوله : والأمر بالقبر تكرمة معنى الأمر بالقبر مستفاد من لفظ اقبر قال الجوهري أقبرته أي أمرته بأن يقبر قال تميم للحجاج أقبرنا صالحا وكان قد قتله وصلبه أي ائذن لنا في أن نقبره فقال دونكموه قال أين السكيت اقبرته أي حفرت له قبرا يدفن فيه وقيل الذي يدفن بيده هو القابر .

--> ( 1 ) والأمر مستفاد من قوله : فَأَقْبَرَهُ فإن الخبر أكد من صيغة الأمر في الطلب . ( 2 ) لأن الاستقراء شرقا وغربا غير متصور .