اسماعيل بن محمد القونوي

506

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة الفلق ( 113 ) : آية 2 ] مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ( 2 ) قوله : ( خص عالم الخلق بالاستعاذة عنه ) وهو عالم الأجسام والجسمانيات المحسوسات والمشاهدات ومقابله عالم الأمر وهو عالم الغيب وهو المجرد عن الحجمية والمقدار كما أن الأول عالم الشهادة وإنما سمي الأول عالم الخلق لأن الخلق في الأصل التقدير والتقدير في عالم الأجسام وأما عالم الأمر فبمجرد كن أو بمجرد الإرادة من غير مادة ونحوها كالملائكة . قوله : ( لانحصار الشر فيه فإن عالم الأمر خير كله وشره اختياري لازم ومتعد ) الخلق بعضه خير وبعضه شر قيل في كون عالم الأمر خيرا كله بحث لجواز أن يكون ما يتوجه إلى الشخص من عالم الغيب شرا لاستعداده وأجيب بأن المراد بكونه خيرا كله أنه لا يصدر عنه شر فإن صدر عنه بأمره تعالى كما يفعله ملائكة العذاب فلم يصدر إلا لامتثال أمره لا لقصد الشر من حيث هو شر ويرد عليه أن بعض شر عالم الخلق كذلك كالقتل قصاصا والحدود ونحوها فالأولى أن يقال إن المراد بالشر ما ذكره المصنف من قوله وشره اختياري الخ وطبيعي وبهذا المعنى لم يتحقق الشر في عالم الأمر وسره أن تسمية الشر مثل فعل ملائكة العذاب وفعل الحكام في عالم الشهادة للمشاكلة لكونه جزاء للشر كما صرحوا به في قوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] وإلا فهي ليست بشر بل في صورة الشر وفهم عالم الخلق من قوله : ما خَلَقَ [ الفلق : 2 ] لأن الخلق في اللغة التقدير ثم استعمل في الإيجاد اصطلاحا وإيجاد عالم الخلق يلاحظ فيه معنى التقدير بخلاف خلق عالم الأمر وعن هذا قيده المص بعالم الأجسام . قوله : ( كالكفر والظلم وطبيعي كما إحراق النار وإهلاك السموم ) كالكفر مثال للازم فإن ضرره لا يتعدى إلى الغير وحصوله بالنسبة إليه لا بالنسبة إلى غيره والظلم بخلافه وهو متعد لف ونشر مرتب والاستعاذة من المتعدي ظاهر وأما للازم فالاستعاذة منه يخوف سريانه منه إليه أو من المضار التي تتسبب منه كالهرج والمرج وحبس المطر ونحو ذلك وهذا من نوع المضار البدنية فلا وجه لما قيل من أنه لا يلزم من هذا التقسيم أن يكون الشر اللازم مستعاذا منه ليخالف ما سيأتي من أن الاستعاذة في هذه السورة في المضار البدنية قوله : وشره اختياري لازم ومتعد أي شر عالم الخلق أنواع اختياري وطبعي والاختياري يكون في الحيوان هو لازم كالكفر ومتعد كالظلم والطبعي في الجماد كاحراق النار وإهلاك السموم وفي الكشاف مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ [ الفلق : 2 ] من شر خلقه وشرهم ما يفعله المكلفون من الحيوان من المعاصي والمآثم ومضاره بعضهم بعضا من ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وغير ذلك وما يفعله غير المكلفين منه من الأكل والنهس واللدغ والعض كالسباع والحشرات وما صنعه اللّه في الموات من أنواع الضرر كالاحراق في النار والقتل في السم إلى هنا كلامه قيل لعل بيان المكلفين بقوله من الحيوان لإخراج الملائكة منهم فإنه لا شر فيهم أصلا وأشار إليه القاضي رحمه اللّه بقوله خص عالم الخلق بالاستعاذة عنه لانحصار الشر فيه فإن عالم الأمر خير كله .