اسماعيل بن محمد القونوي

468

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وإنما قال ما دون من لأن المراد الصفة كأنه قال لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق ) وإنما قال ما في قوله : ما أَعْبُدُ [ الكافرون : 5 ] مع أن الظاهر من أعبد لكون المراد به هو اللّه تعالى لأن المراد به الصفة أي المعبود بالحق وما أريد به الصفة يطلق على كان متعبدا قبل الوحي ويتحنث في غار حراء فإذا كان مجيء قوله : أَعْبُدُ [ الكافرون : 5 ] لأن الماضي لم يحصل فيه هذا العبادة المرادة فيحمل الأمر فيما عبدت على مجموع العبادات الحاصلة التي لا يعلم إلا بالشرع لا على مجرد توحيد اللّه ومعرفته فإن ذلك لم يزل ثابتا له عليه السّلام قبل البعثة وأما مجيئه مضارعا فلتصوير عبادته في نفس السامع وتمكنها كقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج : 63 ] والأصل أصبحت عدل عنه للمعنى المذكور قال الطيبي رحمه اللّه يجوز أن يحمل على الاستمرار في الماضي والآتي بقرينة التقابل كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ [ فاطر : 29 ] لعطف الماضي على المستقبل وقال أبو الوفاء علي بن عقيل كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم متدينا قبل بعثته لما يصح عنده أنه من شريعة إبراهيم عليه السّلام وأما بعد بعثته فهل كان يتعبد بشريعة من قبل فيه روايتان إحديهما أنه كان متعبدا بما يصح من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه لا من جهتهم ولا بعلمهم ولا بكتبهم المنزلة واختارها أبو الحسن التميمي وهو قول أصحاب أبي حنيفة رحمهم اللّه والرواية الثانية أنه لم يكن متعبدا بشيء من الشرائع إلا ما أوحى اللّه إليه من شريعته وهو قول المعتزلة والأشعرية ولأصحاب الشافعي وجهان كالروايتين واختلف القائلون بأنه متعبد بشرع من قبله بأي شريعة كان متعبدا قال بعضهم كان متعبدا بشريعة إبراهيم عليه السّلام وعليه أصحاب الشافعي رحمهم اللّه وقيل بشريعة موسى عليه السّلام إلا ما نسخ في شرعنا وظاهر كلام أحمد رضي اللّه عنه أنه كان متعبدا بكل ما صح أنه شريعة لنبي قبله ما لم يثبت نسخه لقوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] وقال ابن قتيبة لم يزل العرب على بقايا من دين إسماعيل عليه السّلام من ذلك حج البيت والختان وايقاع الطلاق إذا كان ثلاثة والرجعة في الواحد والاثنين ودية النفس مالة من الإبل والغسل من الجنابة وتحريم ذوي المحارم بالقرابة والصهر وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كانوا عليه من الإيمان باللّه والعمل بشريعتهم وأما قوله تعالى : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] يعني به شرائع الإيمان ولم يرد به الإيمان الذي هو الإقرار باللّه إلى هنا كلام ابن الجوزي وقال الطيبي رحمه اللّه غرض صاحب الكشاف من ارتكاب هذا المحظور دفع التكرار من الكلام باختلاف الزمانين المستقبل والماضي فإنه جعل القرينتين الأوليين للاستقبال والأخريين للماضي ولذلك وجه عليه السؤال قال الإمام في الآية قولان الأول أنه لا تكرار فيها وفيه وجوه أحدها أن الأول للاستقبال لأن لا لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال أي وافعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة الهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة الهي ثم قال : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ [ الكافرون : 4 ] أي لست في الحال بعابد معبودكم ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي وثانيها أن يقلب فيجعل الأول للحال والثاني للاستقبال وعليه كلام الزجاج والواحدي ومحيي السنة . قال الواحدي وإنما جيء بما بدل من ليقابل قوله : ما تَعْبُدُونَ [ الكافرون : 2 ] حملا للثاني على الأول وقال الزجاج ومحيي السنة هذا خطاب لمن سبق في علم اللّه تعالى أنه لا يؤمن وثالثها قول أبي مسلم المقصود من الأولين المعبود وما بمعنى الذي أي لا أعبد الأصنام ولا