اسماعيل بن محمد القونوي

466

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فعلا ينصب ما عَبَدْتُّمْ [ الكافرون : 4 ] بطريق الاستئناف أو هو أي عابد عامل على كونه من حكاية الحال الماضية كقوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [ الكهف : 18 ] أو بناء على مذهب الكسائي فالمحذور اللفظي أمر سهل يمكن دفعه بوجوه شتى فلا يترك المعنى الذي يتضمن الدقائق والبلاغة لأجله . قوله تعالى : [ سورة الكافرون ( 109 ) : آية 5 ] وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) قوله : ( أي وما عبدتم في وقت ما ما أنا عابده ) في وقت ما ماضيا كان أو حالا واستقبالا عبادة معتدا بها لما عرفت أنهم وإن كانوا يعبدون اللّه تعالى لكنها ليست معتدا بها لإشراكهم به في عبادة الأصنام فاللّه تعالى أغنى الشركاء فعبادتهم لغيره تعالى فقط في جميع الأوقات فما عبدوا اللّه تعالى في وقت ما ثم هذا العموم مستفاد من الجملة الاسمية لأنها تفيد الدوام فإذا دخل عليها النفي أفاد دوام النفي بمعونة المقام وقد يفيد نفي الدوام لكن لا يصح هنا وسره أن النفي لوحظ أولا ثم الدوام ثانيا فيفيد الدوام في النفي وإن عكس لأفاد نفي الدوام وكلا الاعتبارين بمعونة المقام ولا تفيد الجملة الاسمية الأولى بالدوام في النفي مع أن الدليل جار فيها لأن كونها في قرآن قوله : لا أَعْبُدُ [ يس : 22 ] حملت على النفي في الاستقبال كما نبه عليه بقوله لأنه في قرآن لا أعبد فتكون تلك الجملة الاسمية مجازا بذكر الكل وإرادة الجزء . قوله : ( ويجوز أن يكونا تأكيدين ) أي الجملتين وهي وقوله تعالى : وَلا أَنا عابِدٌ [ الكافرون : 4 ] إلى آخره تأكيدين فأريد بهما ما أريد بالجملتين الأوليين وهو النفي في الاستقبال في القرائن كلها ولا ننس ما حققناه سابقا من أن طلبهم العبادة في الاستقبال فالجواب على نهج مطلوبهم فلا يضره النفي في الماضي والحاء على أن الحال داخلة في الاستقبال وأما التعرض بنفي الماضي في الوجه الأول مع أنه ليس بمطلوب لما مر من النكتة الجليلة . قوله : ما عَبَدْتُّمْ [ الكافرون : 4 ] في وقت ما حمله معنى قوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ [ الكافرون : 5 ] على الاستمرار في جانب الماضي بعين ما ذكر . قوله : ويجوز أن يكونا تأكيدين على طريقة أبلغ أي ويجوز أن يكون قوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ [ الكافرون : 5 ] تكريرا للأول للتأكيد ومعنى الأبلغية مستفاد من جعل الدوام المستفاد من اسمية الجملة قيدا للنفي فيفيد أنكم ممتنعون عن عبادة ما أنا عابد له امتناعا مستمرا فعلى هذا لا يختلفان في الدلالة على الزمان كما هما كذلك في الوجه الأول أقول قوله هذا محل نظر لأن التأكيد إنما هو الثاني لا الأول والمفهوم من لفظ التثنية أن الأول تأكيد كالثاني اللهم إلا أن يراد بالتأكيد تحقيق نفي عبادتهم ما يعبده عليه الصلاة والسّلام على أبلغ وجه فإنه إذا قيل : ما تَعْبُدُونَ ما أَعْبُدُ [ الكافرون : 2 ] يفيد هذا ما هو المقصود وهو الإخبار عن نفي عبادتهم ما يعبده صلّى اللّه عليه وسلّم فأريد تحقيق ذلك النفي فجيء بالجملة الاسمية المنفية .