اسماعيل بن محمد القونوي

427

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وفي نفس الأمر فلا دور إذ العلم بالاستغراق يتوقف على الاستثناء وصحة الاستثناء تتوقف على الاستغراق في الخارج فلا يلزم الدور المحال . قوله : ( والنكير للتعظيم ) إذ المراد الخسران العظيم لكن المنتفى في المستثنى المقيد والقيد معا لا القيد فقط والقرينة ظهور الفساد ولو حمل على النوعية أي نوع من الخسران غير ما يعرفه الإنسان لكان أسلم . قوله تعالى : [ سورة العصر ( 103 ) : آية 3 ] إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) قوله : ( فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية ) اشتروا الخ أي اختاروها على الدنيا الخ ففيه إشارة إلى أن الخسران هنا استعارة مصرحة إذ هو في الأصل إضاعة رأس المال وعدم الربح في التجارة فاستعير لإبطال الفطرة السليمة واختلال العقل الذي هو بمنزلة رأس مال لأنه سبب الوصول إلى الحق ونيل الكمال ولما اعتقدوا الضلالات بطل استعدادهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوسلون به إلى درك الحق ونيل الكمال فبقوا في الخسران آيسين عن الربح وأما المؤمنون فقد ربحوا في تجارتهم واشترائهم واستكملوا عقلهم الصرف محصلين به الهدى ففازوا في بيعهم وسلمهم بالربح العظيم ولذا قال ففازوا بالحياة الأبدية الخ واشتراء الآخرة استعارة لتحصيل الهدى بالعقل السليم أو لاختيارهم الهدى على الضلال كما كان الخسران عكس ذلك كما عرفته . ( بالثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل ) . قوله : ( عن المعاصي أو على الحق أو ما يبلو اللّه به عباده ) عن المعاصي ويستلزم الصبر على الطاعات وعلى البليات ولذا اكتفى به أولا ثم صرح بالثاني فقال على الحق أي على الطاعات أو ما يبلو اللّه الخ أي من المصائب والبليات وإذا استعمل بعن يكون بمعنى الاجتناب عنه وإذا استعمل بعلى يتضمن معنى العكوف عليه والمواظبة في الطاعات ويتضمن عدم الجزم في المصائب ولذا استعمل عن في المعاصي وعلى في الأخيرين لكن أو في قوله أو ما يبلو اللّه تعالى الخ لمنع الخلو وفي قوله أو على الحق لمنع الجمع فقط لإمكان الجمع في الأخيرين دون الأول والأخيرين لكن الأول يستلزم الأخيرين بهذا الاعتبار يتحقق التعرض بأنواع الصبر يحتمل أن يكون بناء التفاعل على حاله أو بمعنى أوصى أو وصى . قوله : ( وهذا من عطف الخاص على العام ) أي عطف تواصوا الخ على عملوا الخ وكذا عطف تَواصَوْا بِالصَّبْرِ [ العصر : 3 ] على تَواصَوْا بِالْحَقِّ [ العصر : 3 ] لكن كون قوله : وهذا من عطف الخاص على العام فإن التوصي بالحق والصبر بعض من مطلق العمل الصالح فعطفه عليه مع كونه مندرجا فيه للمبالغة وجه المبالغة ايهام أنه لعلوه وانفراده كأنه خرجت من جنس العمل الصالح كالمسك بالنسبة إلى الدم كقوله وأن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال .