اسماعيل بن محمد القونوي
41
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 38 ] يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ( 38 ) قوله : ( تقرير وتوكيد لقوله : لا يَمْلِكُونَ [ النبأ : 37 ] فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من اللّه ) أي أفضل المخلوقات من جهة القرب المعنوي ودخول حظائر القدس ورفع ستارة الملكوت بالاطلاع على ما غاب عنا مع التجرد عن العوائق البشرية فإنهم أفضل بهذا الاعتبار حتى قال بعضهم إنهم على أفضل من هذه الحيثية بالاتفاق وإنما الاختلاف في الأفضلية من جهة الثواب فعندنا البشر أفضل وعند المعتزلة الملائكة أفضل قول المص وأقربهم من اللّه تعالى أي من جهة النزاهة كالصريح فيما ذكرناه وعن هذا ترك قول الزمخشري وأكثرهم طاعة وقد تقرر في موضعه أن المفضول قد يكون له فضل على الفاضل فلا حاجة إلى ما قيل من أن هذا ليس خروجا عن اختيار أهل السنة فإن عبد اللّه الحليمي وغيره من أهل السنة ذهبوا إلى أن الملائكة أفضل فإنه قول مرجوح يخالف مسلك الجمهور ولا يناسب كون كلام المصنف مبنيا عليه والجواب الصواب ما ذكر ومنشأ الإشكال الغفول عن قوله وأقربهم منه تعالى كما عرفته والقول بحمل معناه على مذهب القائل والمصنف من أكابر أهل السنة فمعنى قوله يجب حله على مذهبه ألا يرى إن أنبت الربيع البقل إسناده حقيقي إن كان القائل دهريا ومجاز عقلي إن كان القائل موحدا . قوله : ( إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما فيه يكون صوابا كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم ) نبه به على أن لا يتكلمون الخ نفي قدرة التكلم لا نفي التكلم مع القدرة على التكلم أي إن عبارة النص تدل على عدم قدرة تكلم هؤلاء ودلالة النص تدل على عدم القدرة على تكلم غيرهم بالأولوية فثبت أن أحدا من أهل السماوات والأرض لا يقدرون التكلم والخطاب إلا بإذنه ولهذا قال وتوكيد لقوله : لا يَمْلِكُونَ [ النبأ : 37 ] مع قوله : فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق إلى آخره بيان لتوكيد هذا الكلام قبله وتقريره قال صاحب الكشاف هم شريطتان أن يكون المتكلم منهم مأذونا في الكلام وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى لقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] قال صاحب الانتصاف هو تعريض أن الشفاعة لا تكون لأصحاب الكبائر والجواب أن المؤمنين مرتضون لقوله تعالى : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [ الزمر : 7 ] فجعل الشكر بمعنى الإيمان المقابل للكفر وقال الطيبي المرتضى ههنا كالمصطفى في قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [ فاطر : 32 ] وقال الإمام فإن قيل لما أذن له الرحمن جل وعلا في التكلم علم أنه حق وصواب فما الفائدة في قوله : وَقالَ صَواباً [ النبأ : 38 ] الجواب من وجهين أحدهما أن التقدير لا ينطقون إلا بعد ورود الاذن ثم يجتهدون في أن لا يتكلموا إلا بالحق والصواب وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة وثانيهما أن التقدير لا يتكلمون إلا في شخص أذن له الرحمن في شفاعته والمشفوع له ممن يقول صوابا وهو قول لا إله إلا اللّه لأن قوله : صَواباً [ النبأ : 38 ] يكفي في صدقه أن يتكلم بالصواب الواحد فكيف بمن يتكلم طول عمره بأشرف الكلمات .