اسماعيل بن محمد القونوي

403

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الهيبة والخوف للعدو وبهذا ظهر وجه الاقتصار على الوقت ولم يلتفت إلى جواز كون الضمير لفعل الإغارة بتأويلها بالجري على أن يكون الباء سببية أو للملابسة لاحتياجها إلى التأويل مع انتفاء المبالغة الكائنة في الاحتمال الأول ومع أن السبب له جري الخيل لا الإغارة فإن المتبادر السبب القريب والإغارة سبب بعيد إن سلم سببيته وكذا الكلام في كون الضمير للعدو فعلم أنه لا مدخل لكونهم مختلفين حال الإغارة يمينا وشمالا وأماما وخلفا إذ السبب كما عرفته جري الخيل في حال الفر والكر وإن لم يختلفوا على النهج المذكور وظهور الغبار في وقت الصبح وفي النهار مطلقا لا ينافي إثارته في الليل لأنه ظاهر فيه أيضا في الجملة فلا يقتضي التخصيص بوقت الصبح لما مر بيان عمومه . قوله : ( غبارا ) وهو المعروف ولذا قدمه . قوله : ( أو صياحا ) أي يطلق النقع على الصياح أيضا حقيقة لأنه قال في القاموس النقع رفع الصوت وشق الجيب فالمراد به صياح المغار عليهم لا صياح المغيرين المحاربين إذ الترتب على الإغارة صياح من هجم عليهم صياح الخوف والتحسر لا صياح المغيرين بل الأمر بالعكس فظهر ضعف القول بأنه وإن جاز على بعد فيه أي يهيجن الصياح بالإغارة على العدو قد عرفت أن معنى التهييج التحريك وإسناد التحريك إلى الصياح يحتاج إلى التمحل قوله : فَأَثَرْنَ [ العاديات : 4 ] « 1 » نقل عن اللباب أنه قال : فَأَثَرْنَ [ العاديات : 4 ] عطف الفعل على الاسم لأنه في تأويل الفعل يريد أن صلة اللام بمعنى الذي اسم في صورة الفعل كما صرح به النحاة قيل ولا شذوذ فيه لأنه تابع فلا يلزمه دخول ال على الفعل فإنه ضرورة إذ المعنى واللاتي عدون فأثرن واللازم دخول ال بمعنى التي على الفعل وإن لم يجز دخولها ابتداء على الفعل إذ التابع يسوغ فيه ما لا يجوز في المتبوع مثل قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ البقرة : 32 ] فإن أنت تأكيد للكاف مع أنه لا يجوز أن يقال إن أنت وهذا العطف يقتضي أن يقال فيما مر أقسم بخيل الغزاة عدون فضبحن ضبحا ولعل وجه اختيار الماضي في الموضعين هو أن غرض الغازين إيثار الغبار وقت الصبح والتوسط المذكور فودوه قبل العدو والإيراء والإغارة وللتنبيه على ذلك اختير الماضي لكون مودتهم ذلك قبل كل شيء حيث يكون حصول المقصود بهما « 2 » . قوله تعالى : [ سورة العاديات ( 100 ) : آية 5 ] فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ( 5 ) قوله : ( فتوسطن بذلك الوقت أو بالعدو أو بالنقع أي ملتبسات به ) فتوسطن نبه به قوله : فتوسطن بذلك الوقت أو بالعدو أو بالنقع أي ملتبسات به جمعا يعني الضمير في به يحتمل أن يكون راجعا إلى الوقت وهو وقت الصبح فيكون الباء بمعنى في أو إلى العدو المتضمن

--> ( 1 ) أصله أثور فاعل فصار أثرن ووزنه افلن . ( 2 ) نظيره قوله تعالى : إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً [ الممتحنة : 2 ] إلى قوله : وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [ الممتحنة : 2 ] وتوضيحه في المطول في بحث الشرط .