اسماعيل بن محمد القونوي

372

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لأنهم لخلوهم عن العلائق البشرية لا يمنع اشتغالهم بما قدر للناس عن استغراقهم في مطالعة جماله وجلاله فالأولى أن يكون المعنى أو تقربهم إلى المؤمنين لأجلهم فهو تفسير على قراءة من كل امرئ أو لسلامهم على المؤمنين كما يفهم من قوله : سَلامٌ هِيَ [ القدر : 5 ] على التفسير الثاني وهذا بعد تنزلهم إلى الأرض لكن هذا المعنى لا يقصد من عبارة النص بل يفهم باقتضاء النص فإن تنزلهم وتقربهم إلى المؤمنين يتوقف على تنزلهم إلى الأرض فهو لازم مقدم فيثبت اقتضاء ثم المراد الملائكة المدبرات وهم يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض وأما الملائكة العليون والمقربون فشأنهم الاستغراق في معرفة الحق فقط فإنهم وإن نزلوا لكن ليسوا متقربين إلى المؤمنين لأجلهم بل لأجل أن يسلموا على المؤمنين إن أريد هذا المعنى من قوله : سَلامٌ هِيَ [ القدر : 5 ] وإلا فلا والروح يجوز رفعه بالابتداء والجار والمجرور بعده خبره وأن يرتفع بعطفه على الملائكة وفيها يتعلق بقوله : تَنَزَّلُ [ القدر : 4 ] والضمير لليلة وعلى الأول للملائكة كذا نقل عن المعرب والثاني أولى واظهر لأن نزول الروح يفهم صريحا وعلى الأول يستفاد التزاما إذ جملة والروح حال من الملائكة على طريقة قوله جاءني زيد والشمس طالعة فيفهم تنزل الروح التزاما والمراد به جبريل أو ملائكة اخر أو جند من جنوده أو خلق أعظم أو عيسى عليه السّلام لكن الأولى أن يراد به جبريل عليه السّلام لأنه سبب للحياة المعنوية لأنه أمين الوحي الذي يحيي به القلوب « 1 » . قوله : ( من أجل كل أمر ) هذا بيان أحوال جنس الملائكة التي لبعضهم كما عرفته أشار به إلى أن من بمعنى اللام متعلق بقوله : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ [ القدر : 4 ] قوله من أجل كل أمر من قبيل انقسام الآحاد إلى الآحاد . قوله : ( قدر في تلك السنة ) أي اظهر تقديره ويسلم إلى المدبرات وهم إسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبرائيل كذا قيل ويؤيد ما ذكرناه من أنه من قبيل إسناد البعض إلى الكل لكن تخصيص هؤلاء بالذكر لأنهم موكلون بالأمور العظام وإلا فالمدبرات أكثر من أن تحصى قال المصنف في أوائل البقرة فالمدبرات منهم سماوية ومنهم أرضية وينكشف منه أن التنزل مختص بالمدبرات السماوية وأما المدبرات الأرضية فليس لهم نزول فالمراد إما ملائكة السماوات أو المطلق فحينئذ يكون إسناد التنزل إليهم مجازا وقيل وهذا عادة الهية لحكمة خفية لا يعلمها إلا هو وإلا فلا حاجة إلى النزول إلا أن يقال إن بعض المدبرات أرضية وأيضا لما كان التدبير في الأمور الأرضية في الأغلب ناسب النزول لذلك أشار

--> ( 1 ) وفي التيسير هو ملك من تحت العرش ورجلاه في تخوم الثرى السابعة ورأسه تحت العرش وله ألف رأس أعظم من الدنيا وفي كل رأس ألف وجه وفي كل وجه ألف لسان يسبح اللّه تعالى بكل لسان ألف نوع من التسبيح والتحميد لكل لسان لغة لا تشبه الأخرى فإذا فتح أفواهه بالتسبيح خرت ملائكة أهل سبع سماوات سجدا مخافة أن يحرقهم نور أفواهه وإنما يسبح اللّه تعالى غدوة وعشية فينزل تلك الليلة فيستغفر للصائمين والصائمات من أمة محمد عليه السّلام بتلك الأفواه كلها إلى طلوع الفجر .